حين لا يلغي التسامح الحكمة بقلم الأديبة سميرة حمود

حين لا يلغي التسامح الحكمة
قصة سيدنا يوسف عليه السلام ليست مجرد حكاية عن الصفح، بل درس عميق في الوعي الإنساني والذكاء العاطفي. فقد سامح إخوته رغم ما فعلوه به، لكنه لم يلغ التجربة من ذاكرته، ولم يتعامل معها وكأنها لم تكن. اختار الرحمة، دون أن يتخلى عن الحكمة.
يوسف عليه السلام لم ينتقم، ولم يُحاسب بدافع الغضب، لكنه في الوقت ذاته لم يعد من ألقوه في الجب إلى موقع القرب أو الثقة. قدم لهم ما يحفظ كرامتهم ويؤمّن حياتهم، لكنه أبقى المسافة التي تحميه من تكرار الأذى. وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للتسامح الواعي.
فليس كل تسامح يعني نسيانًا، وليس كل مساعدة تعني عودة. التسامح فعل داخلي يحرر القلب من الحقد، أما الثقة فهي قرار عقلي يحتاج إلى دليل وتجربة. يوسف عليه السلام فرق بين الأمرين، فكان رحيمًا دون أن يكون ساذجًا.
كثيرون يخلطون بين الطيبة والضعف، وبين الرحمة والتفريط في الذات. لكن الطيبة الحقيقية لا تعني أن نسمح بتكرار الخطأ، ولا أن نعيش دور الضحية باسم الأخلاق. الذكاء العاطفي هو أن نساعد دون أن نُستنزف، وأن نعطي دون أن نفقد حدودنا.
هناك فرق واضح بين قلب اختار أن يسامح، وباب يُفتح مرة أخرى لمن كسره سابقًا. فالقلب قادر على الصفح، لكن العقل مسؤول عن الحماية. ومن النضج أن نبقي الذاكرة حاضرة لا لتغذية الغضب، بل لمنع تكرار الألم.
يوسف عليه السلام علمنا أن الرحمة لا تتناقض مع الحذر، وأن السلام الداخلي لا يُبنى على إنكار ما حدث، بل على استيعابه والتعلم منه. لم يُسلم مفاتيح القصر لمن خانوا، ولم يمنح الأمان لمن أثبتوا سابقًا أن الغيرة قد تطغى على الأخوة.
والدرس هنا واضح: سامح لأجل قلبك، لا لأجل الآخرين. وقدم الخير لأنك إنسان واعي ، لا لأنك مطالب بإثبات طيبتك. ضع حدودك بهدوء، واسمح بالاقتراب لمن يستحق، لا لمن اعتذر فقط .
فليس كل من قال “تغيرت” صادقًا، وليس كل اعتذار يمحو أثر الوجع.
التسامح قوة، والحدود حكمة، ومن يجمع بينهما هو إنسان ناضج… لا قاسي .
بقلم/سميرة حمود



