جزيرة إبستين: من جريمة موثَّقة إلى أسطورة «شرب الدم»

جزيرة إبستين: من جريمة موثَّقة إلى أسطورة «شرب الدم»

بقلم / الصحفية عبير الزلفي

كيف وُلدت المعتقدات؟ وهل لها أصل ديني؟

تحوّلت قضية جزيرة إبستين من ملف جنائي خطير إلى مساحة مزدحمة بالأساطير ونظريات المؤامرة، حتى بات من الصعب التمييز بين ما هو ثابت بالأدلة وما هو نتاج خوف جمعي وغموض سياسي.

هذا المقال يحاول تفكيك القضية بهدوء:

ما الذي حدث فعلًا؟

ومن أين جاءت روايات شرب الدم وطقوس اغتصاب الأطفال؟

وهل لهذه المعتقدات أي أصل في اليهودية أو الأديان عمومًا؟

أولًا: ما هي جزيرة إبستين؟

جزيرة Little Saint James جزيرة خاصة في جزر العذراء الأمريكية، امتلكها رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين.

أُدين إبستين عام 2008 بجرائم اعتداء جنسي على قاصرات، ثم أُعيد توقيفه عام 2019 بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات، قبل أن يُعثر عليه ميتًا في زنزانته في واقعة أثارت جدلًا عالميًا.

التحقيقات وشهادات الضحايا والوثائق القضائية أثبتت وجود:

شبكة استغلال جنسي منظمة

استدراج قاصرات بحجج العمل أو التعليم

استخدام المال والنفوذ للتغطية والإفلات من المحاسبة

هذه الحقائق موثّقة ولا خلاف عليها.

ثانيًا: ما الذي هو ثابت… وما الذي لم يثبت؟

المثبت قانونيًا:

اعتداءات جنسية ممنهجة

استغلال قاصرات

شبكة علاقات نافذة

غير المثبت إطلاقًا:

شرب دماء

طقوس دينية أو شيطانية

ممارسات سحرية أو عبادات سرية

هذه الادعاءات لم تظهر في أي ملف قضائي أو تقرير تحقيق رسمي، بل جاءت لاحقًا عبر الإنترنت والإعلام غير المنضبط.

ثالثًا: من أين جاءت معتقدات شرب الدم؟

هذه المعتقدات لم تنشأ من قضية إبستين نفسها، بل أُسقِطت عليها، ولها جذور أقدم بكثير:

1. قرية الدم في التاريخ الأوروبي

ما يُعرف تاريخيًا بـ Blood Libel (فرية الدم) ظهر في أوروبا في العصور الوسطى، وادّعى أن اليهود:

يخطفون الأطفال

يستخدمون دماءهم في طقوس دينية

هذه الفرية:

مفبركة تاريخيًا

أُدينت من مؤرخين ورجال دين ومؤسسات دينية

استُخدمت لتبرير اضطهاد ومذابح جماعية

ولا علاقة لها بأي واقع ديني أو تاريخي حقيقي.

رابعًا: هل لهذه المعتقدات أصل في اليهودية؟

لا. على العكس تمامًا.

الشريعة اليهودية تحرّم شرب الدم تحريمًا قاطعًا.

التوراة تنص بوضوح:

«لأن النفس هي في الدم، فلا تأكلوا الدم»

قوانين الطعام اليهودية (الكشروت) تشترط تصفية الدم من اللحوم بدقة شديدة.

إذًا:

نسب شرب الدم إلى اليهودية تشويه عنصري تاريخي،

لا يستند إلى نص، ولا ممارسة، ولا عقيدة.

خامسًا: لماذا عادت هذه الأساطير مع قضية إبستين؟

عدة عوامل ساهمت في ذلك:

بشاعة الجريمة جرائم الأطفال تدفع العقل الجمعي للبحث عن تفسير “غير إنساني”.

غموض موت إبستين موته المفاجئ خلق فراغًا ملأته نظريات المؤامرة.

تورط شخصيات نافذة غياب المحاسبة الكاملة غذّى الشك والخيال.

ثقافة الإنترنت حيث تختلط المعلومة بالغضب والخوف في سرديات مثيرة بلا تحقق.

سادسًا: لماذا يُعدّ هذا الخلط خطيرًا؟

لأنّه:

يُشتّت الانتباه عن الضحايا الحقيقيين

يُحوّل القضية من ملف قانوني إلى خرافة

يُعيد إنتاج كراهية دينية قديمة

يمنح الجناة الحقيقيين ستارًا مريحًا من “اللا معقول”

الواقع كان مرعبًا بما يكفي…

ولا يحتاج إلى إضافة أساطير.

الخلاصة الفلسفية

قضية إبستين لا تكشف طقوسًا دموية،

بل تكشف شيئًا أخطر:

الشر لا يحتاج إلى تعاويذ ولا دماء،

بل إلى سلطة بلا رقابة،

ومال بلا مساءلة،

وصمتٍ جماعيٍّ مريح.

الأسطورة تُطمئننا لأنها تجعل الشر غريبًا عنا،

لكن الحقيقة أكثر إزعاجًا:

الشر بشري، منظم، وقابل للتكرار.

عناوين جذابة ومثيرة للنشر:

جزيرة إبستين: الحقيقة التي شوهتها أسطورة شرب الدم

من الجريمة إلى الخرافة: كيف صُنعت أسطورة جزيرة إبستين؟

إبستين وفرية الدم: عندما يهرب العقل من مواجهة الحقيقة

هل شرب الدم حقيقة أم خرافة أُسقِطت على جزيرة إبستين؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى