أخر الأخبار

د. شيرين شيحه تكتب المقاومة بالفن

الفن لا يحرر الأرض بطريقة مباشرة، لكنه يحرر الوعي

المقاومة بالفن

بقلم / د. شيرين شيحه

الفنّ لا يحمل بندقية، لكنه يعرف جيدًا أين ومتى وكيف يوجّه رصاصته لأعداء الأوطان خارجها و داخلها..

إنّه لا يقف بالزيّ العسكري ولكنه يرتدي الرّقي والجمال لمحاربة القبح.. يرتدي الكلمة المناضلة واللحن الثائر واللون الذي يطارد عتمة الظلم..
هو لا يحفر الخنادق للاختباء ولكنه يحفر الرؤية السليمة وصلابة الموقف في الضمير الإنساني ليجعل الهزيمةمؤقتة.. ونسيان الحق مستحيلا..

منذ أن عرف الإنسان الاحتلال أوجد في الفن سبيلا آخر من سبل المقاومة، فأطلق صوته في الكلمة واللحن والصورة واللوحة حين كُمّمت الأفواه..

الاحتلال يخاف الفن ويخشاه لأنه لا يستطيع إخضاعه بالقوة، ولا إسكاته بالقرارات، ولا محاكمته وتقييد حريته خلف القضبان..

كان محمود درويش وطنًا متنقلًا يحمل أرضه في لغته بعدما صادروها منه على الخرائط..
ناجي العلي استطاع أن يؤلم عدوه بالكاريكاتير البسيط ويفضح فعاله حتى اغتيل..
غدت أغنيات الشيخ إمام صوت الأرض الذي تردده الحناجر..
الغرافيتي، مثله مثل الكاريكاتير، سلاح مقاومة فنية حقق نجاحا شعبيا وجماهيريا..

جاءت الأغنية الشعبية والمسرح والشعر لتقول إن اللغة لا يمكن احتلالها وكانت القصائد الوطنية تُكتب في الزنازين، لتقول ان الكلمات وحدها قادرة على كسر القضبان، وأن الحرية تبدأ من داخل الإنسان حتى ولو كان مقيّدا بالحديد..

حتى في جنوب إفريقيا، لم يكن نضال نيلسون مانديلا سياسيًا فقط، بل ثقافيًا أيضًا في وجه نظام عنصري حاول محو الهوية.. كان صوت الفن يقول : نُصرّ على البقاء إنسانيين في عالم أراد أن ينزع عنا الإنسانية..

وذلك الفن المقاوم يحاول نقل صورة حقيقية للواقع المؤلم ليصرخ بكلمة رفض صادقة في وجه من يزوّرون الحقائق حتى لا يتحول الظلم إلى أمرٍ واقع واجب القبول والتسليم..

فهو الدفاع عن الحق في الحلم. إنه يذكّر الضحايا أنهم ليسوا أخبارا عاجلة في نشرات الأخبار وأن لهم حقًا في أن تُروى قصتهم كما هي ، لا كما يريدها المستعمر..

معظم الشعوب العربية والعالمية تعرّفت إلى المناضلة الجزائرية (جميلة بوحيرد) من خلال فيلم “جميلة” الذي أنتجته وقامت ببطولته الفنانة ماجدة عام 1958، في الوقت الذي كانت فيه جميلة الحقيقية في السجن ومحكومًا عليها بالإعدام وسط تعتيم إعلامي على حقيقة ما يحدث والتي قالت معلقة على فيلم يوسف شاهين: “لم أقل قط كلمة عن هذا الفيلم، لكن قلت إنهم أنتجوه وأنا في الزنزانة محكوم عليّ بالإعدام”.

غامرت ماجدة بإنتاج هذا العمل الضخم الذي استعانت فيه بكبار الكتّاب وبإخراج يوسف شاهين، وقدّمت العمل بإخلاص شديد وصل إلى قصّ شعرها والاقتراض من البنوك لإتمامه..
انتشر الفيلم عالميًا وأثار الرأي العام الدولي، واندلعت مظاهرات تطالب بإنقاذ جميلة، الأمر الذي جعل فرنسا تتراجع عن تنفيذ حكم الإعدام فيها..

قال عنه جان بول سارتر معترفا بجريمة الاستعمار الفرنسي آنذاك : “بسبب هذا الفيلم جُسد أمامي حجم الجرم الذي ارتكبناه في حق الإنسانية، إن هذه الممثلة الصغيرة الكبيرة أسقطت مني الدموع وأنستني جنسيتى “.

حين يُحجب صوت الحقيقة ، يتقدّم الفن ليتكلم ويفعل ما تعجز عن فعله الجيوش أحيانا..

الفن مقاومة لأنه يعيد تعريف الحقيقة؛ ليس من وجهة نظر المنتصر، ولكن برؤية عاشها المقهور..

الفن لا يحرر الأرض بطريقة مباشرة، لكنه يحرر الوعي ومن تحرر وعيه استعاد قدرته على الرفض..
الفن هو الشاهد العدل عندما تصمت ضمائر الشهود..

لذلك يُلاحق الفنانون في زمن الاحتلال وتُكسَر أدواتهم وتُصادَر إبداعاتهم لأن المحتل يدرك أن الرصاصة تقتل فردًا أما الفن فيوقظ شعبًا..

وفي كل زمن استعمار كان هناك فنانون قرروا أن يدفعوا ثمن إخلاصهم لقضايا أوطانهم من سلامتهم وحريتهم فعاشت ذكراهم ما عاشت أوطانهم..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى