كتب/ عمر صابر

في صمت مكتبته المتربة، حيث كانت أشعة الشمس الخجولة تتسلل من بين ستائر ثقيلة لترسم خطوطاً ذهبية على رفوف الكتب العتيقة، جلس الفيلسوف. كان الغبار يدور في الهواء كأفكار معلقة تبحث عن مستقر. على مكتبه الخشبي، الذي شهد ولادة آلاف الأفكار وموتها، وضع قلمه ودفتره الجلدي.
أخذ نفساً عميقاً من رائحة الورق والحبر والزمن، وبدأ يكتب:
“تأملات في سراب اليقين”
ما أكثر ما خُدعنا باليقين! أيها القارئ العزيز، تأمل معي هذه المفارقة: نحن نقضي حياتنا نبحث عن حقائق ثابتة نرتكز إليها في زمن عاصف، وعندما نظن أننا أمسكنا بواحدة منها، إذا بها تنهار بين أيدينا كبيت من رمل.
لطالما ظننت أن الحكمة تكمُن في الإجابات، لكني بعد عمر مديد من التأمل، أدركت أن الحكمة الحقة تكمن في السؤال. الإجابة تغلق الأبواب وتُريح العقل، أما السؤال فيفتح الآفاق ويقلق الروح. وهذا القلق، يا صديقي، هو وقود الفكر.
أتذكرون قول سقراط: “أنا أعلم أني لا أعلم”؟ لقد بلغ سقراط قمة الحكمة ليس لأنه عرف كل شيء، بل لأنه أدرك حدود معرفته. في عالم يصرخ فيه الجميع بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، أليس من الشجاعة أن نعترف بجهلنا؟ أليس من التحرر أن نخلع عن أعناقنا أغلال اليقين الزائف؟
المرء الذي يمتلك كل الإجابات، هو إما نبي أو أحمق. وبين هذين الاثنين، مساحة شاسعة هي موطن الإنسان المفكر.
تأملوا الطبيعة من حولنا، كل شيء فيها يتحرك، يتغير، يتحول. النهر لا يتدفق بالماء نفسه أبداً. الفصول تتبادل أدوارها. حتى الجبال الرواسي، هي في حركة بطيئة لا تدركها أبصارنا. لماذا إذن نتمسك نحن بالثبات؟ لماذا نعتقد أن أفكارنا ومعتقداتنا يجب أن تكون صلدة لا تتغير؟
الحياة ليست محطة نصل فيها، بل هي رحلة دائمة. الإبحار في بحر الأفكار، مع تقلباته وعواصفه، هو ما يصنع الإنسان. من يخاف من تغيير رأيه، يخاف من النمو. من يعتقد أنه بلغ نهاية الطريق، توقف قلبه عن الخفقان فكراً.
وما الفلسفة، في جوهرها، إلا فن التأمل في الحياة قبل أن نعيشها، وفن إعادة النظر في كل ما نعرفه. إنها النظرة الثانية للأشياء، التي تكشف لنا أن ما بدا بسيطاً هو في غاية التعقيد، وما ظنناه معقداً قد يكون في جوهره بسيطاً.
أيها القارئ، لا تخف من التناقض مع نفسك. فقد قال الشاعر الكبير محمود درويش: “أنا المتعدد في داخلي الواحد، أنا لا أشبهني”. هذا هو سر الإنسانية، أن تحمل في داخلك أطيافاً متعددة من الآراء والمشاعر، وأن تظل قادراً على أن تسائل نفسك في كل يوم: من أنا اليوم؟ وماذا أعتقد الآن؟
الغباء الحقيقي ليس في الجهل، بل في التظاهر بالمعرفة. ليس في الخطأ، بل في الإصرار عليه. ليس في الشك، بل في اليقين القاتل.
ولهذا، دعني أختم تأملي هذا بدعوة: اجعل من عقلك حديقة، تذبل فيها أفكار لتزهر غيرها. اسقِ شتلات الفضول بالماء الصافي للتساؤل. اقتلع أعشاب الغرور والادعاء. وافتح أبوابها دائماً لنسمات الأفكار الجديدة، مهما كانت غريبة أو مريبة.
فالحكمة، في النهاية، ليست وجهة نصل إليها، بل هي طريقة للسير. والحقيقة ليست نقطة نلتقطها، بل هي أفق لا نقترب منه أبداً، لكنه يمنح الرحلة معناها.”
وضع الفيلسوف قلمه، وأغلق الدفتر. نظر من النافذة إلى الغيوم المارة في السماء الزرقاء. ابتسم. كان يعلم أن ما كتبه ليس حقيقة مطلقة، بل مجرد محطة أخرى في رحلة تأمل لا تنتهي. وهذا بالضبط كان أجمل ما فيها.


