حين تصمت المائدة كلمات الكاتبة والأديبة سميرة حمود

حين تصمت المائدة
لم يعد لرمضان نفس الروح القديمه.
الهلال يطلع كما كان، والمدفع يعلن الوقت كما اعتاد، لكن شيئا ما في الداخل لا يستجيب. كأن الطقوس تؤدى بلا روح، وكأن المائدة فقدت معناها قبل ان تفقد اهلها.
كان الحنين قديما الى عائلة كاملة، الى ضحكات تتشابك فوق الاطباق، الى دفء لا يحتاج الى شرح. لم تكن اللمة مجرد اجتماع اجساد حول طعام، بل كانت اعترافا ضمنيا بالوجود والدفء ، تقديرا بسيطا يقال في جملة عابرة، في نظرة رضا، في كلمة تسلم ايدك التي تعيد ترتيب الفوضى الداخلية كلها.
الطهي لم يكن ببراعة. كان محاولة لبناء سعادة. كان سعيًا خفيا لخلق مساحة امان، لزرع طمأنينة على مائدة قد لا تكون مثالية لكنها صادقة. كان جهدا يبذل بحب، حتى لو لم يشعر احد بهذا الحب.
ثم تبدأ المقاعد في الفراغ واحدا تلو الاخر.
يبقى الطبق كما هو، لكن المعنى يغادر.
يبقى الضوء الخافت ، لكن الدفء ينطفئ.
الوحدة لا تأتي فجأة. تتسلل ببطء، تجلس نفس مكان بلا اصوات تشاركك الافطار بصمت ثقيل. تصبح المائدة مرتبة اكثر من اللازم، هادئة اكثر من اللازم، كأنها تخجل من ضجيج كان يوما يسكنها.
وحين يطول الصمت، تبدأ الاسئلة.
ليس سؤال الفقد فقط، بل سؤال القيمة.
هل كان العطاء زائدا؟
هل كان الحنان في غير موضعه؟
هل الخطأ في الطيبة، ام في من لم يعرف قيمة الحب ؟
هل كان دفء زائفا !!
القهر حين يأتي من بعيد يحتمل. اما حين يخرج من دائرة القرب، يصبح اكثر حدة ومرارة .
يتخفى احيانا خلف كلمات كبيرة عن الدين والواجب والصبر، لكنه في جوهره قسوة ونفاق لا يمثل المعاملة.
الدين في جوهره معاملة، رحمة، انصاف. وما عدا ذلك تكرار اجوف لا يرمم كسرا ولا يجبر خاطرا .
الانهاك لا يكون في الجسد فقط.
يكون في الروح حين تعطي اكثر مما تتلقى،
وحين تتحمل اكثر مما يقال،
وحين تختار الصمت حفاظا على ما تبقى من كرامة.
الكرامة ليست كبرياء.
هي الحد الادنى من الاحترام الذي يحتاجه الانسان ليبقى متماسكا.
وحين تهتز الروح ، لا يعود للطقوس طعم، ولا للايام معنى .
ربما ليست المشكلة في رمضان، ولا في المائدة.
ربما المشكلة في الشعور بان القلب تعب.
وان الطاقة التي كانت تشعل البيت دفئا استهلكت حتى اخر شرارة.
تبقى الام جالسة امام مائدة صامتة،
لا تبحث عن شفقة، ولا عن تصفيق،
بل عن معنى يعيد للحياة طعمها.
وفي عمق الصمت، يتشكل اختيار صعب:
ان يحيا الانسان بكرامته حتى لو جلس وحيدا،
او تستنفز طاقته في لمة بلا روح.
بعض القلوب موجعة، نعم.
لكن بعض اللمات اكثر وجعا.
وربما النجاة ليست في عدد المقاعد حول المائدة،
بل في ان يبقى القلب قادرا على احترام نفسه،
حتى لو افطر وحده.
هذا سؤال اطرحه لكم…
هل تختار ان تبقى قريبا من نفوس تستنفز طاقتك تحت شعار اللمة،
ام تختار البعد، وتحتضن وحدتك، وتحافظ على ما تبقى من كرامة؟
ايهما اثقل على القلب…
وحدة صادقة،
ام قرب بلا روح؟
الاديبة/سميره حمود
21/2/2026



