الشرق الأوسط بعد الحرب : قراءة استشرافية في مآلات الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

الشرق الأوسط بعد الحرب :
قراءة استشرافية في مآلات الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
بقلم: طارق غريب.
الحروب الكبرى لا تُقاس فقط بكمية النار التي تشتعل في لحظة اندلاعها ، بل بعمق التحولات التي تتركها في بنية التاريخ. فالمواجهة المفتوحة بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليست مجرد صراع عسكري محدود في الجغرافيا ،
بل هي لحظة تصادم بين رؤيتين للنظام الإقليمي ، وربما بين تصورين للنظام الدولي نفسه. إنها حرب تدور على سطح الأرض بالصواريخ والطائرات، لكنها في جوهرها حرب على توازنات القوة والمعنى السياسي للهيمنة في القرن الحادي والعشرين.
التفوق العسكري المباشر يميل بوضوح إلى المعسكر الأمريكي الإسرائيلي ، فالقوة الجوية والتكنولوجية والاستخباراتية لهذا المحور تجعل قدرته التدميرية هائلة. لكن التاريخ العسكري يعلمنا أن التفوق التكنولوجي لا يعني بالضرورة الحسم السياسي.
فالقوة قد تحطم البنية العسكرية لدولة ما ، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تحطم الإرادة السياسية التي تدفع تلك الدولة إلى مواصلة الصراع. وهنا تحديداً تكمن فلسفة الاستراتيجية الإيرانية.
تعرف طهران أنها لا تستطيع خوض حرب تقليدية طويلة ضد قوة عظمى

ولذلك صاغت عقيدتها العسكرية على أساس حرب غير متكافئة. الصواريخ الباليستية ، والطائرات المسيّرة، والقدرة على إغراق أنظمة الدفاع الجوي بأعداد كبيرة من الأهداف ، كلها أدوات تهدف إلى تحويل التفوق التكنولوجي للخصم إلى عبء مكلف. إنها محاولة لتحويل الحرب من معادلة تفوق عسكري إلى معادلة استنزاف استراتيجي.
لكن العنصر الأكثر حسماً في العقيدة الإيرانية ليس السلاح نفسه ، بل الامتداد الجغرافي للحرب. فإيران لا تقاتل وحدها من داخل حدودها ، بل تقاتل عبر شبكة من القوى المرتبطة بها سياسياً أو عسكرياً. هذه الشبكة تشكل ما يشبه الحزام الجيوسياسي الذي يسمح لطهران بتحويل أي مواجهة معها إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
في هذا السياق تصبح جبهة لبنان واحدة من أخطر ساحات الصراع. فهناك قوة صاروخية ضخمة قادرة على تحويل شمال إسرائيل إلى ساحة اشتباك دائم. وإذا انفجرت هذه الجبهة
بكامل طاقتها ، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام معادلة استراتيجية مختلفة ، حيث تتحول الحرب من مواجهة محدودة إلى حرب وجودية متعددة الاتجاهات.
ولا تقل خطورة عن ذلك الجبهة الممتدة في العراق وسوريا. فهذه المساحة الجغرافية تمثل ممرات استراتيجية يمكن من خلالها الضغط على القواعد الأمريكية وعلى خطوط الإمداد العسكرية في المنطقة. ومع كل ضربة متبادلة تتسع رقعة الحرب وتتحول شيئاً فشيئاً إلى شبكة من النزاعات المتزامنة.
أما في الجنوب ، فإن ما يحدث في اليمن يمنح الصراع بعداً آخر. فالموقع الجغرافي المطل على البحر الأحمر وباب المندب يجعل أي تصعيد هناك مؤثراً في التجارة العالمية. وهكذا تتحول الحرب تدريجياً من صراع عسكري إلى أزمة اقتصادية دولية تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والتجارة البحرية.
وسط هذه المعادلة المعقدة تقف دول الخليج العربي في وضع شديد الحساسية. فهي من جهة حليف استراتيجي لواشنطن ، ومن جهة أخرى تقع في مرمى القدرات الصاروخية الإيرانية. لذلك تحاول هذه الدول أن توازن بين دعم الحليف الأمريكي وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تضرب بنيتها الاقتصادية وأمنها الداخلي.
أما على المستوى الدولي ، فإن القوى الكبرى مثل روسيا والصين تتعامل مع الصراع بحذر محسوب. فهما لا ترغبان في الانخراط العسكري المباشر
لكنهما تدركان أن إطالة أمد الحرب قد تؤدي إلى استنزاف القوة الأمريكية وإعادة توزيع النفوذ العالمي. لذلك تراقبان المشهد بوصفه فرصة استراتيجية بقدر ما هو تهديد محتمل للاستقرار الدولي.
في هذا السياق قد تتحول الحرب إلى اختبار كبير لمستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. فإذا استطاعت واشنطن تحقيق أهدافها بسرعة وحسم ، فإنها ستعيد تثبيت هيمنتها الإقليمية.
أما إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل ومكلف ، فإن ذلك قد يفتح الباب لمرحلة جديدة تتراجع فيها مركزية الدور الأمريكي لصالح قوى دولية أخرى.
إسرائيل بدورها تدخل هذه الحرب بعقيدة أمنية تقوم على مبدأ الردع المطلق. فهي ترى أن السماح لإيران بامتلاك قدرات استراتيجية متقدمة يمثل تهديداً وجودياً.
لذلك فإن هدفها الأساسي في هذه المواجهة هو تدمير البنية العسكرية والنووية الإيرانية إلى الحد الذي يمنعها من التحول إلى قوة ردع موازية.
لكن المفارقة أن كل ضربة عسكرية كبيرة تحمل في داخلها بذور مرحلة جديدة من التصعيد. فكلما تعرضت إيران لضربات قاسية ، زادت احتمالات ردها عبر توسيع نطاق المواجهة.
وهكذا يدخل الصراع في حلقة تصعيدية يصعب كسرها بسهولة.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تتحول الحرب إلى صراع طويل منخفض الشدة نسبياً لكنه واسع الجغرافيا.
لن يكون هناك انتصار حاسم سريع
بل سلسلة من الضربات المتبادلة والعمليات غير المباشرة التي قد تستمر سنوات ، على غرار نماذج تاريخية لحروب الاستنزاف الكبرى.
أما النتيجة الأعمق لهذه الحرب فقد تكون إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بالكامل. فقد تظهر تحالفات جديدة، وتنهار تحالفات قديمة، وتعيد الدول رسم سياساتها الدفاعية والاقتصادية بناء على دروس هذه المواجهة.
وقد لا يكون السؤال الحقيقي هو من سينتصر عسكرياً ، بل أي نظام إقليمي سيولد من رماد هذه الحرب. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي فقط بوقف إطلاق النار، بل بولادة
خرائط جديدة للقوة والنفوذ. والشرق الأوسط يقف اليوم على حافة لحظة كهذه ، لحظة قد تعيد تعريف ملامح المنطقة لعقود قادمة.






