أخر الأخبار

الأخْلاقُ ثَرْوَةٌ لا تُشْتَرَى بِالْمَالِ.بقلم الأديب محمود طه

الأخْلاقُ ثَرْوَةٌ لا تُشْتَرَى بِالْمَالِ.

بقلم الأديب محمود طه.

نَطرحُ هذا المَقَالَ في عِدَّةِ عَناصِرٍ، لتوضيحِ قِيمةِ الإنسانِ الحقيقيةِ وفصلِها عن المالِ، ولإظهارِ أثرِ الأخْلاقِ في بِنَاءِ المُجتمعاتِ والحَضاراتِ.

أولًا: اختِلالُ الموازينِ في زمانِنا
مِمّا لا شَكَّ فيهِ أنّنا نَعيشُ في زمنٍ اختَلّت فيهِ الموازينُ.
أصبحَ الصِّراعُ قائمًا بين ما يَملِكُ الإنسانُ من مالٍ وما يَملِكُ من أخْلاقٍ.
وهنا تبرزُ عدةُ تساؤلاتٍ مُهِمَّةٍ:
هَلِ المالُ غايةٌ أم وسيلةٌ لِلعيشِ؟
هَل يُمكِنُ للمالِ شِراءُ الأخْلاقِ أو الحبِّ؟
وهَل اكتسابُ الأخْلاقِ والتمسُّكُ بها يُغني عن السَّعي والعَملِ والكَدِّ والحُصولِ على المالِ؟
فتلك التساؤلاتُ تبرزُ قيمةَ المالِ وأهميةَ الأخلاقِ في النهضةِ بالمجتمع.

ثانيًا: المالُ وسيلةٌ وليست غايةً
المالُ وسيلةٌ حقيقيةٌ للعيشِ بحياةٍ كريمةٍ، لكنه ليس الغايةَ.
غايتُنا الحقيقيةُ هي تركُ أثرٍ طيبٍ في حياةِ الآخرينَ.
هذا الأثرُ لا يتحققُ بالمالِ، ولا بالجاهِ، ولا بالمنصبِ، إنما يتحققُ بـ:
الأخْلاقِ الحسنةِ
حسنِ التَّعامُلِ
الصّدقِ
الإخلاصِ
الوفاءِ

كما يتحققُ أيضًا برسمِ البسمةِ على وجوهِ الآخرينَ.
أمثلة عملية:
مساعدةُ محتاجٍ أو قولُ كلمةٍ طيبةٍ قد تترك أثرًا أعمقَ من المالِ كلِّه.
الموظفُ المخلصُ الذي يتعامل بالأخلاق مع زملائه بالعمل ويترك أثرًا طيبًا في المؤسسة.

البسمةُ في وجه الفقير أو اليتيم، أو كلِّ من ضاقت به الحياة، لنكون تلك الأيادي التي تطبطب على القلوب عبر الكلمات الطيبة الصادقة النابعة من أخلاقنا وإيماننا الصادق.
وقد جاءَ تعظيمُ النبيِّ الكريم ﷺ في قولهِ تعالى:
“وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ”
حيث لم يُذكَرِ المالُ، ولا المنصبُ، ولا الجاهُ، بل كان المِقياسُ الحقيقيُّ هو حسنُ الأخْلاقِ وحده.

ثالثًا: الأخلاقُ أساسُ الحضارةِ وبناءِ الأمم
الأخْلاقُ هي المِعيارُ الحقيقيُّ لبناءِ أُمَّةٍ قويةٍ وحَضارةٍ عَريقةٍ.
كما قيلَ:
“إنَّما الأُممُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ، إن هُمّوا ذَهَبَتْ أخلاقُهُم ما ذَهَبوا”
لا يُمكنُ أن تُبنى أُمَّةٌ قويةٌ بدونِ أخْلاقٍ.
فهي الأسُسُ التي تُبنى عليها الحياةُ.
ولو غابت، فقدت معها كلُّ معاني الحياةِ مهما امتلكَ الإنسانُ من مالٍ، حتى ولو بلغ عنانَ السماءِ.

كلُّ شيءٍ يزولُ بدونِ أهمِّ قيمةٍ: الأخلاقُ.
أمثلة من الحضارات:
الحضاراتُ القديمة، مثل الحضارةِ المصريةِ القديمةِ والإسلام المبكر، قامت نهضتُها على الأخلاق، وليس على المال أو الجيوش فقط.
الحضارة الحديثة، مثل اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، استطاعت أن تنهض اقتصاديًا سريعًا بفضل قيمها الإنسانيةِ والمصداقية.

على العكس، كم من حضارةٍ دُمرت بسبب سوء الأخلاق وتدنّيها، رغم ثرواتها وجيوشها.
الأخلاقُ هي أساس كلِّ حضارةٍ ناجحة.
رابعًا: تربيةُ الأجيالِ على الأخلاق
لابدَّ من غرسِ الأخلاقِ الحسنةِ في الأجيالِ الجديدة.
ويجبُ تعليمُهم حسنَ التَّعامُلِ مع الآخرينَ باستمرار، وغرسُ قيم:
الاحترام
الصدق
الوفاء

كما يجبُ السَّعيُ والعملُ والكَدُّ للحصولِ على المالِ كوسيلةٍ لحياةٍ كريمةٍ، وليس كغايةٍ في حدِّ ذاتها.
المادةُ ليست كلُّ شيءٍ في الحياة، هي وسيلةٌ تساعدنا على العيشِ، لكنها لا تُغنينا عن الارتقاءِ بمستوى الأخلاق.
ولذلك، يجبُ ربطُ المالِ دائمًا بالغايةِ الإنسانيةِ والقيمِ الأخلاقية.

فيجب استغلالُ المال في الأعمالِ الخيرية ومساعدةِ الفقراء والمحتاجين، وهنا تبرز أهمية الأخلاق واستخدام المال كوسيلةٍ من أجل عملٍ هادف.
ويجبُ على كلٍّ منا ممارسةَ الأخلاقِ في كلِّ مكانٍ:
المنزل
المدرسة
العمل
الشوارع

فلو ساد ذلك، لنهضت المجتمعات في كافة المجالات: الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والدينية.
خامسًا: الخاتمةُ
الأخلاقُ هي الغايةُ، والمالُ وسيلةٌ فقط.
لا يُمكنُ شراءُ الأخلاقِ، فهي تنبعُ من أصلِ الإنسانِ داخله.

وتنبعُ أيضًا من الإيمانِ الحقيقيِّ بأهمِّيَّتها ودورها في بناءِ مجتمعٍ قويٍّ ومترابطٍ ومتكاملٍ.
الأخلاقُ هي السهمُ الحقيقيُّ لمجابهةِ الأعداءِ، وهي المحرّكُ الأساسيُّ لقيادةِ الأمم.

الغنى الحقيقيُّ في الأخلاقِ وليس في المالِ.
فالمالُ يزولُ، ويبقى أثرُ الخيرِ وحسنِ الخلقِ خالدًا.

لذلك، يجب أن يكون كلُّ عملٍ نقومُ بأدائه مدعومًا بالأخلاق، وأن تكون الركيزةُ الأساسيةُ في مجتمعاتنا، في سبيل نهضة المجتمعات وتقدمها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى