شيرين شيحة تكتب سفينة الكون

سفينة الكون
بقلم الكاتبة والأديبة شيرين شيحه
لو ابتعدنا قليلًا، ونظرنا إلى هذه الكرة الصغيرة التي نعيش عليها،
لرأيناها كأنها سفينةٌ تشقّ بحر الكون،
سفينةٌ تحملنا جميعًا على ظهرها،
نأكل من خيراتها، وتُظلّنا فوقها سماءٌ واحدة.
لن نرى حدودًا ولا رايات،
ولكن سنرى نقطةً زرقاء هادئة،
تسبح في صمتٍ عظيم، وتحتضن حياةً أراد الله لها أن تكون..
لو نظرنا من تلك المسافة،
لرأينا أن ما نظنه صراعاتٍ،
ليس إلا ضجيجًا عابرًا على سطحِ مخلوقٍ يسير في طريقه المقدَّر،
طائعًا، مستسلمًا، ومسلِّمًا لأمر خالقه،
بعد أن رفض حمل الأمانة التي عُرضت عليه، مشفقًا منها،
وتركها لهذا الكائن (الظلوم الجهول) المسمّى بالإنسان:
“إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” — الأحزاب (72)
سنرى أن ما نختلف عليه لا يساوي شيئًا أمام سلامة الركّاب وتحقيق هدف الرحلة..
سنرى أننا لسنا خصومًا على ظهرها، بل ركّابًا في مصيرٍ واحد،
وأن كل ثقبٍ نُحدثه فيها،
لا يُغرق غيرنا وحده، بل يُغرقنا جميعًا.
ومع ذلك
نُصرّ أن نثقبها بأيدينا؛
نُفسد هواءها، ونُرهق أرضها فسادًا، وحروبًا، وطغيانًا، وظلمًا.
المأساة أننا نعلم،
من رسالات الخالق على ألسنة الرسل،
ومن كتبه المقدسة،
ومن العلم – لمنكري الرسالات السماوية –
أن مصيرنا مشترك عليها،
وأن ما ظهر من فسادٍ في البر والبحر بما كسبت أيدينا،
هو ما يُعجِّل بهلاكها..
جميعنا يعلم.. ولكننا لا نعمل؛
لأن أكثر الناس لا يعقلون،
وأكثر الناس لا يفقهون،
وأكثرهم للحق كارهون..
أما الحقيقة، فسنراها عين اليقين:
“يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ” — إبراهيم (48)



