آمال صالح تكتب الحنين

الحنين…
آمال صالح
نداء يطوقني دائما بين ردهات الساعات. أقف، وأنا حائرة إن كنت قد وجدت مكاني بين الصخور والأحجار، وبين رؤى وردية لا تزال معلقة أمام ناظري.
بين صحراء قاحلة وعشب أخضر يتدفق معه حنيني، كنت طفلة أسميه شعراً، وامرأة أسميه وطناً يقيم في حنايا الذاكرة.
في طفولتي، كنت أعد الأيام على طريقة الأفلام الرومانسية، أبحث عن اللقاء الذي تحوله النوارس البيضاء إلى أشرعة لسفر في الأزرق الساحر. اعتقدت حينها أن العالم خُلق للحب فقط، وأنه لا شيء سواه.
أما اليوم، فأنا امرأة. أستمع إلى قارئة الفنجان بصوت عبد الحليم، وأبحث داخل القصيدة عن حنيني، أقلب الحروف والمواجع لأستعيده.
الزمن كان غريبًا، لكنه عاد ليشعل في داخلي إحساس الحياة. أدركت أن يدي تحرك آفاقًا فقدتها، وأنني غرقت وحدي في لجة عميقة، أحاول تمييز خيالات تمر من حولي. وفي داخلي، لا تزال تلك الطفلة، التي أحاول لمس حنينها الذي نما معها، حتى صار فؤادي فارغًا أحيانًا.
بين الطفلة والمرأة تغير كل شيء، إلا الحنين، الذي يكبر داخلي مع الأيام. تعبت من البحث عن لجة صفاء، فأخفيت حلمًا عالقًا في وجه القمر. حلم يجعلني أعود دومًا إلى لجةٍ، وإلى يد تقول: “أنا لك على طول”.
سمعت هذا الصوت مرة، في العاشرة، بصوت العندليب الأسمر. ترسخ الحنين في قلبي حتى صار صدى الوقت. الطفلة التي جاءت من زمن بعيد ما زالت تبحث عن اللحن ذاته، ولا تجده إلا حزينًا.
أجد نفسي معلقة بين زمنين، أنسج من الحنين ما لا يقاس في لجة الحياة. وأدرك أن هذا الحنين، الذي تجاوز سنها بقرون، هو ما يبقيني على قيد شعوري، رغم الغرق، رغم الصمت، رغم الزمن الغريب.



