أخر الأخبار

المانيكان بقلم: سماح محمد علي

المانيكان

بقلم: سماح محمد علي

داعبتها الرغبة في السير في شوارع وسط البلد، بعد خروجها من العمل، لتختار من محلات الملابس الأنيقة هناك ما يروق لها، لعله يبدل حالتها ويزيل الحزن الجاثم على قلبها منذ فترة.

بعد ساعتين من اللف والدوران، شعرت بألم يدمي قدميها، فرغبت في الراحة لتستعيد نشاطها، ويمكنها مواصلة الرحلة والعودة إلى المنزل. جلست على أحد الكافيهات المواجهة لمحل كبير لبيع ملابس الرجال. خلعت حذاءها أسفل الطاولة، تفحصت قدميها، وارتمت بجسدها على ظهر الكرسي، وطلبت كوبًا من الشاي.

نظراتها مرتبكة، تدقق النظر في الآخرين، ويملؤها الحرج منهم. طالت جلستها ولم تشعر بالوقت، تعلق نظرها بالفاترينة الزجاجية المواجهة لها، فرأته يبتسم لها خلف الفاترينة المضيئة والمرصوصة بالملابس، كان ينظر نحوها بعينين حالمتين، ويشير لها بالاقتراب منه.

لم تعد تسمع ضجيج الشارع وأصوات الناس والسيارات، وجاء النادل ليأخذ الحساب، فوجدها ساهمة، وعيناها ثابتتان على الفاترينة لا تتحرك. أعاد عليها النادل حديثه، فأفاقت من غفوة أصابتها، حاسبت النادل وارتدت حذاءها، وتوجهت نحو المحل المقابل.

وقفت أمام الواجهة الزجاجية تتأمل عينيه السوداوين، وملامحه الرقيقة الجذابة، عندئذ شعرت بالصخرة التي على صدرها تتزحزح، وقلبها يرتجف، فتساءلت: من تكون؟ ولماذا تغوص بعينيك فيَّ هكذا؟ لماذا تناديني إليك؟ فتملكتها الحيرة، أتلبي نداءه، أم تمضي في طريقها؟!

قلبها يهفو إليه، تريد أن تسلمه إياه، وتدس رأسها بين أحضانه. دخلت المحل بخطوات وئيدة، تنطر يمينًا ويسارًا، باحثة عنه بلهفة. لمحت رجلًا قصير القامة، ذا قسمات جامدة، يرتدي نظارة ثقيلة، شعره مجعد، وأنفه كبير، يفتح الفاترينة من الداخل، ويحمل حملًا فوق كتفه، ويضعه في وسط المحل، ويبدل ما عليه من كسوة خارجية، فتسمرت قدماها، وانتابتها رعشة شديدة، وفتحت فمها في دهشة، ولم تنبس بكلمة. لمحها الرجل فأخذ يراقبها في صمت، وينظر نحوها في حيرة مخلوطة بالريبة، ثم واصل استبدال ملابس المانيكان، ثم فتح الفاترينة مرة أخرى، ووضع المانيكان في وسطها تمامًا ثم أغلق عليه الباب، واستدار نحو الفتاة بلهفة وفضول لمعرفة سرها، فرآها تنظر للفاترينة بحزن يخالطه القلق، رأف بحالها وحادثها بلطف: سيدتي، أي خدمة؟ تنظر إليه، والدموع تملأ عينيها، تبحث عن الحروف والكلمات المتعثرة في فمها، تنطق بشفاه مرتعشة: من فضلك، أريد شراء هذا المانيكان. ينظر إليها بدهشة قائلًا: هنا محل لبيع الملابس، والمانيكان للعرض وليس للبيع. بعد جدال طويل يصيبها اليأس، فتخرج من المحل مهزومة وحزينة، ثم تعود إليه والخجل يربك خطوها، متوسلة: أرجوك، أنا في حاجة إليه، ومستعد لدفع أي ثمن تريده. تعاطف الرجل مع حالتها المضطربة، وإصرارها على اقتناء المانيكان، فباعه لها بثمن بخس، وساعدها على إيجاد سيارة لنقله إلى منزلها.

وصلت للبيت وقلبها ينبض فرحًا، واندفعت نحو حجرتها حاملة إياه، لتضعه في أفضل مكان لها، على سريرها الأثير. في الصباح تقاوم ساعات العمل المملة، لتهرول إليه، تريد أن تبقى معه وحدها داخل غرفتها، تتمعن قسماته، وتتحسس جسده بكلتا يديها، تتحدث معه في كل شيء، وعن حياتها ومستقبلها. في الليل تبحث في صناديق جهازها كعروس عن ملابس أنثوية ساخنة، لترتدي ما يثير شهوته تجاهها، تناجيه كي تشعر بدفء يديه، تقبله فتغذيه من روحها الملتهبة، تسري الدماء بعروقه ويسري الدفء في أطرافه، فتدب فيه الحياة، فيلمسها بيديه ويضمها لجسده، ثم يراقصها بلطف، ويلثم شفتيها، يتحسس مكامن أنوثتها، فتتلاحق أنفاسها حارة، يقع عليها فيغوصان في بحر اللذة حتى الصباح.

كم صمت أذنيها عن غمزات صديقاتها، وضحكهن عليها، وكم تجاهلت توبيخات أمها بسبب احتفاظها به. ظلت ليالي طويلة سجينة حجرتها وتمثالها، بينما جسدها يذوي، ووجها يصفر، وعينيها تغلفها سحابات السهد، تخلخلت قدماها، ولم تعد قادرة على حمل جسدها، عافت الطعام والشراب، وانقطعت عن العمل، انهار جسدها الواهن، ولزمت فراشها تقاوم المرض.

في لحظة إفاقة فارقة، حاكمها الضمير كما حاكمها الجسد، تتحدث إلى تمثالها فلا يحادثها، تتلمس جسده فتجده باردًا صلبًا فاقدًا للإحساس، لا يشعر بمأساتها، ولا يواسيها في محنتها، ولا يربت كتفها بحنان، فحبيبها متخفي في غلالة بنفسجية. تارة تحكي له عن مأساتها ويفيض بها الوجد فتصرخ في وجهه، وتارة تحادثه بلطف: أنت لا تشعر بي، ولا تمسح دمعي. تصرخ: ليتني ما رأيتك في تلك الفاترينة الملعونة، خاصمت الدنيا من أجلك، تحملت سخرية الآخرين، تحدث أرجوك، بادلني مشاعري.

لا تسمع سوى صدى صوتها يهز الجدران، فتغلي الدماء في عروقها، وبقوة لم تعهدها منذ زمن، أمسكت به وألقته في أحد أركان الحجرة، ثم أمسكت بعصا غليظة وانهالت عليه ضربًا، لم تشعر بيدها كيف تحركت وحطمته. خرجت للردهة بقدمين ثقيلتين، وعينين متورمتين، ويدها تسيل منها الدماء. جلست صامتة يمزقها الألم، كلما مر بخاطرها لحظة تحطمه.

 

سماح محمد علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى