عودة محارب بقلم: سماح محمد علي

عودة محارب
بقلم: سماح محمد علي
استعدت رشاقةَ طفولتي، ودخلت حجرته المغلقة على أطراف أصابعي، سحبت بدلته المعلقة داخل دولابه الخاص، الذي لم يفتح منذ وفاته، ويحوي ما تبقى من حياته العسكرية. دسست رأسي ببدلته؛ أشتم عبير جسده، وأجتر شعورًا بالأمان، احتضنتها بشغف، وتمايلتُ برفق؛ علنى أفوز برقصة افتقدتها يوم زفافي. شعرت بدوار خفيف، فجلستُ أمام التلفاز، أتنهد بفرح. قلبت بأصابعي قنوات الأفلام واحدة تلو الأخرى، لأشاهد فيلمًا من أفلام حرب اكتوبر. احترت، فماذا أختار منها، وجميعها أحبها. وقع اختياري فى النهاية على فيلم “بدور”. سرحت بخيالي في زمن لم أعشه بجسدي، بل عشته بروحي، أرعشني هتاف ” الله أكبر، بسم الله رفعنا العلم”. انقطع الإرسال فجأة، فخرجت من غفوتي مثقلة الجفون، ولم أبرح مكاني رغم افتقادي لعودة الفيلم. أكاد أرى والدي على الشاشة، ففركت عيني وهززت رأسي؛ كي أفيق من الحلم، وأعود لصوابي. اقتربتْ صورة والدي أكثر فأكثر، حتى ملأتْ الشاشة تمامًا، أراه أمامي بكامل جسده وهيئته، يضع على كتفه علمًا، ويلوِّح لى بيمناه كما اعتاد في حياته، ويقدم لي التحية العسكرية، وهو يبتسم بحنان. همهم بشفتيه للحظات، فلم أستوعب أو أفهم لغته الجديدة، تناثرت من فمه حروفًا مضيئة بالنيون الأخضر، تراقصتْ حوله بلطف لدقائق، ثم تجاورتْ في جمل ذات معنى أسفل كلمة “عاجل”: حققنا لكم المعجزة، فهنيئًا لكم بها، فإذا كنا حققنا المستحيل، فكيف لا تستطيعون تحقيق الممكن. اختفت صورة والدي، بعد قبلة ألقاها نحوي، وعاد الإرسال من جديد. اكملت الفيلم شاردة، ثم عدت لحجرتي هائمة، وأنا أحمل على عاتقي رسالة والدي المحارب.
سماح محمد علي



