حماة النهايات”.. كيف انتزع مزارعو بني سويف والفيوم حقهم في “قطرة المياه”؟

“حماة النهايات”.. كيف انتزع مزارعو بني سويف والفيوم حقهم في “قطرة المياه”؟
بقلم: فاطمة عمارة

في قاع الترعة الجافة، حيث تتشقق الأرض كأنها تصرخ، كانت تبدأ الحكاية وتنتهي عند “خيبة الأمل”. لسنوات طويلة، ظل مزارعو “نهايات الترع” في بني سويف والفيوم يدفعون ثمن موقعهم الجغرافي؛ مياه تُنهب في البدايات، وزرع يموت في النهايات. لكن خلف هذا المشهد القاتم، وُلدت تجربة استثنائية قلبت الموازين، بطلها “مزارع” لم يعد يكتفي بالشكوى، بل قرر أن يمتلك الأدوات.

لغز “الـ 17 فتحة”
البداية كانت من الفيوم، حيث كشف التحقيق عن “ثقب أسود” يلتهم حقوق المزارعين، اصطلحوا على تسميته بـ “الـ 17 فتحة”. هذه الفتحات التي تقع في مقدمة الترعة كانت البوابة التي تتبدد عبرها آمال مزارعي النهايات.
يقول العم “محسن”، أحد المزارعين المتضررين: “كنا نرى المياه تفيض في أول الطريق، وتصل إلينا سراباً. لم نكن نعرف السبب تقنياً، لكننا كنا نشعر بالظلم يقيناً”.

هنا تدخلت جمعية تنمية المجتمع المحلي بجزيرة ببا من خلال التحالف السداسي وبدعم من مؤسسة كير مصر، ليس لتقديم “معونات”، بل لتقديم “معرفة”. تم تدريب المزارعين على الرصد الميداني، وتحول المزارع البسيط إلى “راصد تقني” يصور المخالفات، ويقيس اتساع الفتحات، ويحدد أماكن الهدر بالأرقام والصور.

من “الاستجداء” إلى “المساءلة”
لم تعد جلسات المزارعين مع المسؤولين مجرد “قعدات عرب” أو طلبات استعطاف. في مؤتمر رصد وتوثيق مخرجات الحملة، كان المشهد مغايراً تماماً. وكلاء الوزارات ونواب البرلمان وجدوا أنفسهم أمام “ملفات حقائق” لا تقبل التأويل.


الأستاذ عماد الدرملي، مدير مشروع بجمعية جزيرة ببا، أكد خلال المؤتمر أن النجاح الحقيقي لم يكن في تطهير ترعة فحسب، بل في “تطهير العقول من فكرة الاستسلام”. لقد نجحت الحملة في دفع الجهات التنفيذية لتعديل الـ 17 فتحة، وتركيب بوابات تضمن التوزيع العادل، وهو ما وصفه المزارعون بـ “رد الاعتبار للغيط”.

فيفيان ثابت: الاستثمار في “الإنسان” أولاً
وعلى هامش المؤتمر، صرحت الأستاذة فيفيان ثابت، المديرة التنفيذية لمؤسسة كير مصر، بأن هذا المشروع أثبت أن “الدعوة وكسب التأييد” ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة لضمان وصول الموارد لمستحقيها. وأضافت أن قوة المجتمع المدني تكمن في قدرته على خلق حوار حقيقي بين “صاحب الحق” و”صاحب القرار”.

رسائل الوفاء.. سر الخلطة
ولم يغب الجانب الإنساني عن التحقيق، حيث رصدنا وقفة الوفاء التي نظمها المزارعون للدكتور محمد عبد الحفيظ، الاستشاري الذي علمهم أن “المناصرة” هي فن انتزاع الحق بالقانون والمنطق. هذه العلاقة بين الخبير والمزارع كانت هي “الوقود” الذي ضمن للحملة استمرارها وتأثيرها.

المحطة الأخيرة: مستمرون
ختام المؤتمر لم يكن إعلاناً بانتهاء المهمة، بل كان “تدشينًا” لمرحلة جديدة. خرج المزارعون من القاعة وهم يحملون “ميثاق شرف حماة النهايات”. لم تعد المياه مجرد سائل يروي الأرض، بل أصبحت رمزاً لنجاح مجتمع مدني عرف كيف يتحدث، ومتى يواجه، وكيف ينتصر.

الخلاصة:
تجربة مزارعي بني سويف والفيوم هي درس مستفاد لكل صاحب قضية؛ فالتغيير لا يأتي من الأعلى دائماً، بل يبدأ حين يقرر المزارع أن صوته هو أقوى سلاح لتغيير الواقع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى