رفقاء الرحلة.. بين العابر والمقيم بقلم الأديبة شيرين شيحة

(رفقاء الرحلة.. بين العابر والمقيم)
د. شيرين شيحه
“تحت نفس الشمس.. فوق نفس التراب كلنا بنجرى ورا نفس السراب
كلنا من أم واحدة أب واحد دم واحد بس حاسين باغتراب ”
البشر كلهم متشابهون٬ كلنا في كل العالم نسخ شبيهه ببعضها في قدرية البداية والصفات والتكوين.. وكذلك في حتمية العودة..
وأقول “العودة” لأن
السماء هي موطننا الأصلي الذي اغتربنا عنه عندما نزلنا الأرض٬ ولذلك كلّنا يشعر بهذا الاغتراب وإن اختلفت التفاصيل..
ولكن هل كان الكبير (سيد حجاب) محقًا عندما جزم بأننا جميعا نجري وراء نفس السراب ؟
أعتقد أن هذا ما تحدده نهاية الرحلة ؛
فلكلِّ منّا رحلته الخاصة،
طريقه في الحياة الذي لا يشبه تمامًا طريق غيره،
حتى لو سار الجميع فوق الأرض نفسها.
نولد ثم نكبر داخل تفاصيل خفيّة لا يراها أحد سوانا؛
مخاوفنا.. ذاكرتنا.. طريقتنا الخاصة في فهم الأحداث والناس والأشياء من حولنا..
ذلك الصوت الداخلي الذي يحاورنا طوال الوقت ليُملي علينا أو ليفسّر لنا العالم بطريقتنا أو بطريقته الخاصة..
لهذا لا أحد يعيش حياة أحد بالكامل..
قد يقترب الناس،
قد يتشابكون، أو يتشابهون ،
قد يسيرون معاً مسافات طويلة،
لكنّ كلَّ إنسان يظلّ — في العمق — حاملاً تفرد تجربته التي لن تتطابق مع تجربة إنسانية أخرى بشكل كامل..
الجميل في الأمر،
أن السماح لشخص آخر بأن يشاركك هذه الرحلة
ليس أمرًا هيّنا كما يبدو..
أن تسمح لأحدهم بالدخول إلى عالمك،
إلى فوضاك،
إلى مناطق ضعفك وأسئلتك،
فهذا شكلٌ من أشكال الاختيار المسؤول والثقة الكبيرة أيضا..
نحن لا نفتح أبوابنا الحقيقية لكلّ أحد،
لأننا نترك معظم الناس — في الواقع — في صالة الاستقبال ،
يرون النسخة المهذبة، المختصرة، الآمنة منّا فقط..
أما الذين نسمح لهم بمرافقة الرحلة فعلًا،
فإنهم يدخلون من الأبواب الخفيّة للروح ليشاهدوا تفاصيلها المخبأة عن العيون :
أماكن التعب.. الأحلام..
الخوف الذي لا يملك الشجاعة أن يُعلن عن نفسه بصوت مرتفع إلا لهم..
يفترشون مساحات من البوح العفوي لا يجلس إلينا فيها غيرهم..
ولهذا يكون الفقد مؤلمًا أحيانًا،
ليس لأن شخصًا رحل فقط،
بل لأنه كان مشاركا وشاهدًا على جزء لن يُنسى من الطريق.
ومع ذلك،
تبقى الرحلة رحلتك أنت.
لا أحد يستطيع أن يمشيها بدلًا منك،
ولا أن يتألم
أو يتخذ قراراتك بالنيابة عنك..
لذلك فإن من استطاعوا أن يحددوا وجهتهم ودورهم الحقيقي في الحياة حتى لا يُفضي إلى “السراب”
هم من أدركوا أنهم لن يجدوا من يحمل عنهم عبء الطريق،
ولكن من يسير معهم فيه.. دون أن يلغي قدرتهم على التفرّد..
كل العلاقات الإنسانية (الأبوة والأمومة.. الزواج.. الحب.. الصداقة) ليست امتلاك الرحلة،
وليست مصادرة الاتجاه،
وإنما أن يقول لك أحدهم:
“أعرف أن الطريق طريقك..
لكنني اخترت أن أمشيه معك وأشاركك مشاعرك فيه. ”
وربما لهذا السبب أيضًا…
تفشل كثير من العلاقات حين ينسى أحد الطرفين هذه الحقيقة البسيطة:
أن المشاركة لا تعني الذوبان.
بعض الناس يدخلون حياة الآخرين كأنهم جاءوا ليعيدوا تشكيلها،
لا ليشاركوها..
يريدون أن يختاروا الطريق،
وسرعة السير..
ملامح الوجهة،
ثم يسمّون ذلك حبًّا.
الرحلات الإنسانية لا تُدار هكذا..
فالروح التي تُسلب حريتها تحت أيّ مُسمّى
قد تبقى بالجسد.. لكنها تكتب نهايتها بنفسها من الداخل.
الإنسان لا يحتاج دائمًا لمن يقوده،
بل أحيانًا لمن يفهم فقط
أن بعض المعارك يجب أن يخوضها وحده،
وأن ترتيب فوضاه الداخلية لن تستطيعها كلُّ مساعدات العالم إذا لم تسبقها يده هو لفعل ذلك..
أجمل العلاقات ليست تلك التي تُقيّدك،
بل التي تمنحك مساحةً كافية لتبقى نفسك،
لتختار الإنسان الذي ستحاسب عليه وحدك..
ولهذا فإن أرقى أنواع الرفقة
هي أن يسير شخصان معًا،
لا لأن أحدهما عاجز عن السير وحده،
بل لأن الطريق يصبح أكثر إنسانية حين يجد من يشاركه حلاوته ومرارته..
وفي النهاية،
أنّ كل الذين مرّوا في حياتنا لم يكونوا سواء:
منهم من كان مجرّد عابر طريق،
ومنهم من ترك أثرًا يشبه الوشم (جميلا كان أم قبيحا) على جدران الحكاية..
ومنهم من ابتعد بالجسد.. لكنه بقي ألقاً في القلب والروح..
وقبل وبعد هذا كلّه تبقى الحقيقة التي لا تتغير:
أنك ستكمل الرحلة بنفسك حتى اللحظة الأخيرة
تمامًا كما بدأتها.
ولهذا..
لا تبحث عمّن يعيش حياتك بدلًا منك،
ولكن عمّن يجعل الطريق — ولو قليلًا — أقلّ وحشة وأكثر جمالا.
د. شيرين شيحه



