نورهان نبيل تكتب : من التبعية إلى الشراكة: الحراك النسوي ومعركة تغيير القوانين البالية.

تكمن الأزمة في أن القوانين الحالية المعمول بها تعود جذورها إلى عام 1920، وهو ما تراه الحركات النسوية والمنظمات الحقوقية “إرثاً من حقبة زمنية تجاوزها الواقع الاجتماعي والسياسي”. فالمرأة المصرية اليوم ليست هي ذاتها منذ قرن؛ فهي الآن معيلة، عاملة، ومشاركة في اتخاذ القرار، بينما لا تزال النصوص القانونية—في نظر الكثيرين—تتعامل معها كطرف “ناقص الأهلية” في بعض جوانب الولاية.
​أبرز نقاط الاشتباك في مسودة 2026:
​الولاية القانونية: يتركز الخلاف حول حق المرأة في أن تكون ولية نفسها في عقد الزواج، وفي الولاية التعليمية والمالية على أبنائها. ترى النسوية المصرية أن قصر الولاية على الذكور (الأب أو الجد أو الأخ) يمثل إهانة لكرامة المرأة وتقليلاً من دورها المحوري في الأسرة.
​ترتيب الحضانة: شهدت التعديلات مقترحاً بنقل الأب إلى المرتبة الثانية في الحضانة بعد الأم مباشرة (بدلاً من المرتبة 16). وبينما رحبت جمعيات “الآباء المتضررين” بهذا القرار، تخشى المنظمات النسوية من استخدامه كأداة ضغط ضد الأمهات في حالات النزاع.
​توثيق الطلاق الشفهي: قضية لا تزال تشعل النقاش بين الأوساط الدينية والمدنية. تصر الحركات النسوية على أن الطلاق لا يقع إلا بالتوثيق الرسمي لحماية حقوق الزوجة المادية والقانونية، بينما يرى تيار محافظ ضرورة الاعتداد باللفظ الشرعي.
​صندوق دعم الأسرة: استحداث “صندوق رعاية الأسرة” الذي يفرض رسوماً عند الزواج لضمان نفقة المطلقات والأبناء، واجه انتقادات من الشباب المقبلين على الزواج بسبب الأعباء المادية، بينما اعتبرته النسويات خطوة ضرورية لحماية النساء من الفقر بعد الانفصال.
​الرؤية النسوية: نحو “قانون أسرة أكثر عدالة”
​لم تكتفِ النسويات في مصر بالاعتراض، بل طرحت منظمات مثل “مؤسسة قضايا المرأة المصرية” مشروعات قوانين بديلة تحت شعار “قانون أسرة أكثر عدالة”. ترتكز هذه الرؤية على عدة مبادئ:
​المسؤولية المشتركة: بدلاً من اعتبار الزوج هو “القيم” الوحيد، تدعو النسوية إلى مفهوم “الرعاية المشتركة” حيث يتقاسم الطرفان الحقوق والواجبات.
​إلغاء “بيت الطاعة”: المطالبة بإلغاء أي نصوص تجبر الزوجة على العودة لبيت الزوجية رغماً عنها، باعتبار ذلك انتهاكاً للجسد والحرية الشخصية.
​النفقة والذمة المالية: تسهيل إجراءات إثبات دخل الزوج لضمان نفقة عادلة، والاعتراف بالذمة المالية المستقلة للمرأة.
​الموقف المضاد: الدفاع عن “الخصوصية الشرعية”
​في المقابل، يرى التيار المحافظ وبعض المؤسسات الدينية أن التعديلات المقترحة من جانب الحركات النسوية قد تؤدي إلى “تفكيك الأسرة” وتغريب المجتمع المصري. يجادل هذا التيار بأن القوانين المستمدة من الشريعة توفر توازناً فطرياً، وأن المساواة المطلقة قد لا تراعي الخصوصية الثقافية للمجتمع.
​الجدل القائم حول قانون الأحوال الشخصية في مصر 2026 ليس مجرد خلاف على مواد قانونية، بل هو “مخاض” لمجتمع يحاول التوفيق بين تراثه الديني العميق ومتطلبات العصر الحديث. ومع استمرار المداولات في مجلس النواب، يبقى السؤال المعلق: هل سينجح المشرع في صياغة قانون يرضي الأطراف المتصارعة، أم سيظل القانون نقطة انقسام تعكس الفجوة بين الأجيال والأيديولوجيات؟
​إن المعركة النسوية اليوم لا تستهدف “الرجل”، بل تستهدف “النظام الأبوي” المتغلغل في النصوص، سعياً وراء عدالة تجعل من الأسرة مؤسسة قائمة على المودة والرحمة، لا على التبعية والإذعان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى