نادية هارون تكتب:المواطن بين تجار الوهم وتجار العلم

لا تقتصر الفتنة على أبعادها الدينية فحسب، بل تمتد لتشمل كل ما يترتب عليه إفساد وعي الناس، وإستهداف إستقرارهم، والإضرار بحياتهم، وهذا هو جوهرها الحقيقي، والواقع الراهن يضعنا —أينما ولينا وجوهنا— في مواجهة مستمرة مع أنماط متجددة من هذه الفتنة، ولعل أخطر ما تواجهه مصر في مرحلتها الحالية هو “الفتن الطبية” التي تفشت بصورة مخيفة، متغذية على هيمنة منصات التواصل الاجتماعي، وثقافة “الترند”، والرغبة المحمومة في جني المال بأسرع الطرق وأقلها جهدا.

فبين ليلة وضُحاها، يطل علينا أشخاص لا حظّ لهم من علم أو تخصص، بعضهم مهووس بالشهرة، وبعضهم يلهث خلف المكاسب المادية، وآخرون تدفعهم أوهام وإضطرابات نفسية لتصدير أنفسهم كخبراء ومنقذين، صفحات وحسابات مشبوهة تروّج لعلاجات غريبة، ووصفات سحرية، وخلطات مجهولة لأخطر الأمراض، بلا أدنى مسؤولية أخلاقية أو سند علمي، مستغلة مخاوف البسطاء، وضعفهم، وتشبثهم ببارقة أمل.

ولم يقتصر الأمر على فوضى الفضاء الرقمي، بل إمتدت الكارثة لتجتاح شاشات قنوات “بير السلم” التي تبث دون رقابة حقيقية أو محاسبة، لتبيع الأوهام للمرضى تحت لافتات “العلاج المعجزة” والشفاء المضمون، وكأن صحة البشر تحولت إلى سوق مستباحة لكل من يملك كاميرا وصوتا جهوريا.

والأنكى من ذلك، تلك الفوضى العارمة في “الفتوى الغذائية”، فكل يوم يخرج من يحرم طعاما ويجرّم آخر، مانعا ما إعتاد الناس عليه لعقود، ثم يأتي غيره لينقض كلامه من الجذور، حتى بات المواطن البسيط حائرا تائها بين من يوصم الطعام بأنه “سمّ قاتل”، ومن يرفعه إلى مرتبة “سر الصحة وطول العمر”، لتتحول الصحة من علم رصين يُبنى على الأبحاث والأصول، إلى ساحة للمشاهدات والمتاجرة بالخوف.

إن خطورة هذه الفتن لا تكمن في تهديدها للأجساد فحسب، بل في إغتيالها للثقة في العلم الحقيقي، وهزّ صورة الأطباء والمتخصصين، وإلباس الجهل ثوب المعرفة، وفي زمن تتدفق فيه المعلومة للملايين خلال دقائق، غدا الوعي ضرورة وطنية وأمنية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى تخوضها الدولة والمجتمع.

وعلى الجانب الآخر، لا يمكن غض الطرف عن أن المغالاة الشديدة في أسعار الكشوفات والخدمات الطبية لدى قطاع غير قليل من الأطباء، هي ما دفع فئات واسعة من المجتمع إلى الإرتماء في أحضان هذه البدائل، مهما بلغت خطورتها، فعندما يجد المواطن نفسه عاجزا عن تدبير كلفة كشف لا يستغرق دقائق، أو مضطرا للإستدانة لشراء دواء، يصبح فريسة سائغة لكل دجال يعده بالشفاء الرخيص والسرير السحري.

وهنا تتجسد المأساة بكامل أبعادها، إذ يجد البسطاء أنفسهم بين شقي رحى: جاهل يتاجر بالوهم، ومتخصص يتاجر بعلمه ورسالته، وبين هذا وذاك يضيع المريض حيرة بين الحاجة والخوف، فالطب في جوهره رسالة إنسانية نبيلة قبل أن يكون مهنة، وحين يتجرد من إنسانيته ليتحول إلى تجارة بحتة، يفقد المجتمع بوصلة الأمان، ويُفتح الباب على مصراعيه للمشعوذين والمتربحين من أوجاع البشر.

إن مواجهة هذه الفتنة الشرسة لا تنتهي بملاحقة الدجالين وإغلاق الصفحات والقنوات الوهمية فحسب، بل تتطلب —بالتوازي— إعادة الإعتبار للأخلاق المهنية، وتغليظ الرقابة على الإعلانات الطبية، وتوفير منظومة صحية عادلة تحفظ لكرامة الإنسان حقها، حتى لا يجد المواطن نفسه مجبرا على المفاضلة بين إستنزاف جيبه.. أو المخاطرة بحياته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى