الأم… نبض الحياة

IMG 20260519 WA0076

بقلم د/نادية حسن عبد الفتاح 

الأم… كلمة صغيرة في حروفها، عظيمة في معناها، تحمل بين طيّاتها أسمى معاني الحب والرحمة والتضحية. فهي النبع الصافي الذي يروي أبناءه بالحنان، والشمس التي تنير طريقهم مهما اشتدّت ظلمات الحياة. منذ اللحظة الأولى لولادة الإنسان، تكون الأم هي الحضن الأول، والصوت الأحنّ، والقلب الذي ينبض خوفًا عليه وحرصًا على سعادته. ولذلك كانت مكانة الأم عظيمة في جميع الأديان والمجتمعات، لأنها أساس الأسرة وعماد الحياة.

لقد خلق الله الأم بقلبٍ مليء بالعطف والرحمة، فهي تتحمّل الآلام والمتاعب من أجل أبنائها دون شكوى أو تذمّر. تبدأ رحلتها مع أبنائها منذ الحمل، فتتحمّل التعب والسهر والخوف، ثم تستقبل مولودها بفرحة تنسيها كل ما عانته. وبعد ذلك تبدأ سنوات طويلة من العطاء المستمر، فتسهر الليالي إذا مرض طفلها، وتفرح لفرحه، وتحزن لحزنه، وتضحّي براحتها كي يعيش أبناؤها في راحة وأمان.

ولا يقتصر دور الأم على الرعاية فقط، بل هي المعلّمة الأولى في حياة الإنسان، فمنها يتعلّم الطفل الكلام والأخلاق والقيم والمبادئ. هي التي تغرس في أبنائها الصدق والأمانة والاحترام، وتعلّمهم معنى الحب والتسامح. فالأم مدرسة عظيمة، إذا أُحسن إعدادها أخرجت جيلًا صالحًا قادرًا على بناء المجتمع والنهوض به. لذلك قيل قديمًا: “الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق”.

ومن أعظم صور فضل الأم أنها تعطي دون انتظار مقابل، فهي لا تنتظر الشكر على تعبها، ولا تطلب ثمنًا لما تقدّمه من تضحيات. يكفيها أن ترى أبناءها ناجحين وسعداء حتى تشعر أن تعبها لم يذهب هباءً. وكم من أمٍّ أخفت دموعها حتى لا يرى أبناؤها ضعفها، وكم من مرّة تنازلت عن راحتها وأحلامها من أجل مستقبلهم.

وقد كرّم الإسلام الأم تكريمًا عظيمًا، فجعل برّها من أعظم الأعمال التي تقرّب العبد إلى الله تعالى. وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين، وخصّ الأم بمكانة خاصة لما تتحمله من تعب ومشقّة، فقال تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾.

كما قال رسول الله ﷺ عندما سأله رجل: “من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟” فقال: “أمك”، ثم قالها ثلاث مرات، وبعدها قال: “أبوك”. وهذا يدل على عظمة حقّ الأم وفضلها الكبير.

إنّ وجود الأم في حياة الإنسان نعمة عظيمة لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من فقدها. فهي مصدر الأمان والطمأنينة، وبوجودها يشعر الإنسان بأن الدنيا ما زالت بخير. فمهما كبر الأبناء واشتدّ عودهم، يظلون بحاجة إلى دعوة صادقة من أمٍّ محبّة، وإلى كلماتها التي تمنحهم القوة والأمل.

ومن واجب الأبناء أن يردّوا للأم جزءًا من جميلها، وذلك بطاعتها واحترامها والإحسان إليها وعدم رفع الصوت عليها أو التسبّب في حزنها. فبرّ الأم لا يكون بالكلام فقط، بل بالفعل أيضًا، من خلال الاهتمام بها والسؤال عنها ومساعدتها وتقدير تعبها. كما يجب على الأبناء أن يدركوا أن الوقت الذي يمرّ لا يعود، وأن وجود الأم بينهم نعمة قد لا تدوم، لذلك ينبغي اغتنام كل لحظة في إسعادها.

وفي الختام، تبقى الأم أعظم إنسانة في حياة أبنائها، فهي القلب الذي لا يتوقّف عن الحب، والعين التي تسهر من أجل راحتهم، واليد التي تمتد بالعطاء دائمًا. ومهما كتب الأدباء والشعراء عن فضل الأم، فلن يستطيعوا أن يوفّوها حقّها، لأن فضلها أكبر من أن تصفه الكلمات. فطوبى لمن نال رضا أمّه، وأحسن إليها، وجعلها سعيدة، لأن الأم هي سرّ البركة في الحياة، والجنة حقًّا تحت أقدام الأمهات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى