سلسلة سيكولوجية اللعب ج٢ “عالم الطفل الخفي” كيف يساهم اللعب في بناء التفكير والذكاء منذ السنوات الأولى
مقال اجتماعي

بقلم د/سهام عبد الواحد
استشاري تربوي
أخصائي اضطرابات النطق والتواصل وتعديل السلوك
كوتش تنمية مهارات التفكير بأكاديمية لندن للتفكير
استشاري تدريب بالاتحاد الدولي للمدربين العرب
سفيرة التربية الإيجابي
حين نرى طفلًا يركض خلف كرة، أو يتحدث مع دمية وكأنها شخص حقيقي، أو يحول قطعة خشب صغيرة إلى سيارة أو حصان، قد يبدو لنا الأمر مجرد تسلية عابرة. لكن، في الحقيقة، يكشف هذا العالم البسيط عن واحدة من أعظم العمليات التي تحدث داخل العقل البشري. فاللعب ليس مجرد وسيلة لقضاء الوقت، بل هو نشاط أساسي يشارك في بناء القدرات العقلية والمعرفية للطفل، ويُعد نافذة لفهم كيفية نمو التفكير الإنساني وتطوره.
يُعد عالم النفس السويسري جان بياجيه من أبرز العلماء الذين تناولوا اللعب باعتباره جزءًا جوهريًا من النمو المعرفي. وقد استند في بناء نظريته إلى ملاحظات دقيقة وطويلة لأطفاله، ما ساعده على فهم الكيفية التي يكتشف بها الطفل العالم من حوله ويكوّن تصوراته عنه. ومن خلال هذه الملاحظات، توصّل إلى أن الطفل لا يكتسب المعرفة بشكل سلبي، بل يبنيها بنفسه عبر التفاعل المستمر مع البيئة المحيطة.
اعتمد بياجيه في تفسيره للنمو المعرفي على مفهومين أساسيين هما: “التمثل” و”المواءمة”. فالتمثل يحدث عندما يستوعب الطفل خبرات جديدة ويُدرجها ضمن ما يعرفه مسبقًا، أما المواءمة فتحدث عندما يضطر إلى تعديل أفكاره ومفاهيمه القديمة لتتناسب مع خبرات جديدة لم يكن قادرًا على تفسيرها. ومن خلال التوازن المستمر بين هاتين العمليتين، يتطور التفكير وينمو الذكاء.
في هذا السياق، رأى بياجيه أن اللعب يمثل الصورة الأكثر وضوحًا لعملية التمثل؛ إذ يعيد الطفل تشكيل الواقع بما يتناسب مع عالمه الداخلي ورغباته الخاصة. بينما تمثل المحاكاة أو التقليد جانب المواءمة، حيث يحاول الطفل التكيف مع الواقع وتقليد ما يراه في البيئة المحيطة. ومن هنا يصبح اللعب وسيلة فعالة لفهم العالم والتعامل معه بطريقة تتناسب مع المرحلة النمائية التي يمر بها الطفل.
ووفقًا لنظرية بياجيه، يمر اللعب بثلاث مراحل رئيسية. تبدأ المرحلة الأولى بما يُعرف باللعب الوظيفي أو الحركي، وتمتد خلال العامين الأولين من العمر. في هذه المرحلة يستكشف الطفل العالم من خلال الحواس والحركة، فيمسك الأشياء ويهزها ويكرر الأفعال التي تثير اهتمامه. ومع مرور الوقت يبدأ في إدراك العلاقة بين أفعاله والنتائج المترتبة عليها، فتتطور قدرته على التحكم في البيئة المحيطة وفهمها.
أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة اللعب الرمزي، والتي تظهر مع تطور اللغة والقدرة على التخيل. هنا يصبح الطفل قادرًا على استخدام الرموز والبدائل؛ فيتحول الكرسي إلى سيارة، والعصا إلى حصان، والدمية إلى طفل يحتاج إلى الرعاية. ويُعد هذا النوع من اللعب مؤشرًا مهمًا على تطور التفكير التجريدي والقدرة على التخيل والإبداع. كما يمنح الطفل فرصة للتعبير عن مشاعره ورغباته ومخاوفه بصورة غير مباشرة، مما يسهم في تحقيق التوازن النفسي والانفعالي.
ومع التقدم في العمر، ينتقل الطفل إلى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الألعاب ذات القواعد. في هذه المرحلة تتراجع الرمزية الفردية تدريجيًا لتحل محلها الألعاب الجماعية المنظمة التي تعتمد على قوانين وقواعد متفق عليها. ويتعلم الطفل من خلالها التعاون، واحترام الدور، والالتزام بالقوانين، والتعامل مع الفوز والخسارة، وهي مهارات اجتماعية ومعرفية مهمة تمهد لمرحلة التفكير المنطقي الأكثر نضجًا.
ولم تتوقف الدراسات عند إسهامات بياجيه، بل ظهرت نظريات أخرى أكدت أهمية اللعب في النمو العقلي. فقد أشارت الباحثة سارة سميلانسكي إلى أربعة أنماط رئيسية للعب، هي: اللعب الوظيفي، واللعب البنائي، واللعب الدرامي، والألعاب ذات القواعد. كما قدم الباحثان بيلسكاي وموست تصورًا متدرجًا للمهارات العقلية المرتبطة باللعب، يبدأ باستكشاف الأشياء وينتهي بالقدرة على استخدام الرموز والبدائل التخيلية المعقدة.
تكشف هذه الرؤى مجتمعة أن اللعب ليس نشاطًا هامشيًا في حياة الطفل، بل يمثل أحد أهم أدوات التعلم والنمو. فمن خلاله يكتسب الطفل المعرفة، ويطور مهاراته الحركية واللغوية والاجتماعية، ويتعلم حل المشكلات، ويعبر عن انفعالاته، ويكتشف ذاته والعالم من حوله.
وفي النهاية، يمكن القول إن اللعب هو اللغة الأولى التي يتحدث بها الطفل مع العالم. إنه النشاط الذي يبني العقل ويغذي الخيال ويصنع أسس التفكير المستقبلي. لذلك فإن توفير بيئات غنية باللعب والتجريب ليس ترفًا تربويًا، بل ضرورة حقيقية لدعم نمو الأطفال وإطلاق إمكاناتهم الكامنة؛ لأن كل لعبة صغيرة قد تكون خطوة كبيرة في رحلة بناء عقل إنسان المستقبل.
المراجع
كتاب سيكولوجية اللعب
للدكتور / خالد عبد الرازق
مركز الإسكندرية للكتاب
كتاب علم نفس الطفولة
أ.د / عبد المجيد سيد
أ.د / زكريا الشربيني
دار الفكر العربي






