نادية هارون تكتب:المسوخ وإغتيال الرجولة

في موروثنا الثقافي، مفهوم “الرجولة” ليس مجرد تصنيف بيولوجي، بل هو منظومة قيمية تشمل المروءة، الحشمة، والوقار في المظهر والجوهر، قديماً، كان المطرب يقف على المسرح كأنه قاضٍ أو دبلوماسي، يرتدي كامل بدلته الرسمية إحترماً لجمهوره وإحتراماً لنفسه ولرجولته، أما ما نراه من مسوخ تعتلي المسرح بملابس نسائية وهيئة لم نعتدها، فهو يعكس هبوطاً في مفهوم “الهيبة”، حيث يتنازل الفنان عن وقاره طمعاً في إثارة الجدل ليتصدر “التريند”.

المجتمع العربي والمصري بطبعه مجتمع متدين ومحافظ، يستمد معاييره الأخلاقية من تعاليم دينية حاسمة في هذا الشأن، في الفقه الإسلامي، هناك نصوص صريحة تحرّم تشبه الرجال بالنساء والعكس، وتعتبر الحفاظ على “الفواصل الفطرية” بين الجنسين صمام أمان للمجتمع، لذلك، عندما يظهر فنان يتصدر الشاشات ويتشبه بالنساء في ملبسه أو حركاته، فإن الأمر لا يُصنف كـ “حرية شخصية”، بل يُرى كـ عدوان مباشر على العقيدة والفطرة السليمة.

إن هذا التشوه البصري والسلوكي الذي نراه على الشاشات والمسارح اليوم ليس مجرد سقطة عابرة في تاريخ الفن، بل هو جرس إنذار حاد يعلن تآكل الحصانة الثقافية والقيمية للمجتمع، فالفن، الذي كان يوماً أداة لتهذيب النفوس والإرتقاء بالذوق العام، تحول في أيدي هؤلاء المسوخ إلى معول لهدم الفطرة السليمة وتزييف وعي الأجيال.

عندما يتنازل الرجل على المسرح عن مروءته ووقاره ليتشبه بالنساء في مظهره وحديثه تحت مسمى المعاصرة، فإننا لا نواجه أزمة في الكلمة أو اللحن، بل نواجه عدواناً صريحاً على المنظومة الأخلاقية والدينية التي حفظت تماسك مجتمعاتنا لقرون، هذا التميُّع البصري والسلوكي يصنع إعتياداً خطيراً لدى الشباب والمراهقين، فيتحول الشاذ والمقزز بالتدريج إلى مألوف وعادي، مما يهدد بتجريف الهوية الأصيلة وإحلال ثقافة هجينة بلا ملامح ولا قيم.

هنا تبرز الأهمية الإستراتيجية للقوة الناعمة، كأداة أشبه بالشفرة ناعمة لكنها حادة، إما أن تكون وسيلة لصياغة الوجدان القومي والتأليف بين القلوب وبناء الصورة الذهنية الراقية للأمة في الخارج، كما كانت تفعل جولات كبار المطربين لدعم المجهود الحربي وتمثيل الدولة كسفراء فوق العادة، أو تتحول عند غياب الوعي إلى سلاح دمار شامل يمزق النسيج الإجتماعي من الداخل.

أمام هذا الطوفان من الإبتذال، إنشطر المجتمع إلى قطبين تفصل بينهما هوة سحيقة من الإستقطاب الحاد، حيث إندفع القطب الأول نحو التشدد والإنغلاق كآلية دفاعية، فصنع مجتمعاً موازياً يرى في الجمال والفنون عداءً أصيلاً للدين، وإنحرف بغلوّه عن سماحة الإسلام ووسطيته، متخذاً من المظهر شعاراً لإعلان البراءة من معسكر الإنحلال كما كان من إدارة إحدى الجامعات بإلغاء عرض مسرحي للطلبة بحجة أن الفن حرام، وفي المقابل، إنساق القطب الثاني وراء هذه الموجة العابثة، فتبنى الإبتذال في المظهر والسلوك، مسقطاً هيبة المجتمع والروابط الإنسانية القائمة على الحياء والمروءة، مما تسبب في تآكل المساحة المشتركة للطبقة الوسطى المثقفة التي كانت تجتمع قديماً على تذوق الفن الراقي والإلتزام بالحد الأدنى من الوقار الأخلاقي.

إن علاج هذا الإنهيار المجتمعي لا يكمن في الإكتفاء بالإستنكار والندب، ولا في الهروب نحو التطرف والإنغلاق، بل في إعادة إحياء المركز الوسطي العاقل الذي يملك شجاعة المواجهة وبدائل البناء، إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي وتربية تقودها الأسرة والمؤسسات الثقافية والتعليمية، لإعادة الإعتبار لمفهوم القدوة الحقيقية، وضخ أعمال وفنون تعيد للرجل وقاره وهيبته وللمرأة حياءها وأصالتها، لن يسقط هذا العبث إلا عندما يدرك المجتمع أن الحداثة لا تعني التبرؤ من الجذور،.

في النهاية أقول: إن هذه الإطلالات الهجينة هي إنعكاس لثقافة “العولمة” التي تحاول تجريد المجتمعات من هوياتها وخصوصياتها الثقافية والدينية، وصهر الجميع في قالب واحد مسخ بلا ملامح، وأن رقي الأمم يقاس بمدى تمسكها بخصوصيتها الثقافية والدينية في وجه عولمة المسوخ، فالمجتمع القوي هو الذي يصنع من قواه الناعمة درعاً لحماية فطرته، لا شفرة لقطع أواصره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى