المقبرة الإدارية: حين يقود “أشباه المديرين” مؤسساتهم بعقلية السُّخرة!
إمبراطورية التروس الصدئة

بقلم د. محمود عبد البارى
استشارى نفسي ومدرب معتمد
أكبر دليل على الإفلاس القيادي والجهل بالبشر، هو لجوء أشباه المديرين إلى تلك السقطة اللفظية البائسة: “الشغل مش بيقف على حد”. جملة تُلقى في وجه المخلصين كنوع من الإرهاب النفسي والتعالي الأعمى، ظناً من قائلها أنه يفرض هيبة المؤسسة، بينما هو في الحقيقة يعلن رسمياً عن عجزه، ويدفن بيده كل ذرة انتماء أو ولاء في المكان.
الحقيقة العارية التي يرتعب هؤلاء من سماعها، هي أن المدير الذي يردد هذا الشعار هو مدير فاشل بامتياز. هو شخص يتعامل مع الكفاءات البشرية كقطع غيار سيارات، يسهل استبدالها في أي وقت. متناسياً بجَهل فاضح أن الموظف المبدع والمخلص ليس آلة تجميع صماء، بل هو طاقة، وعقل، وأمانة، وحلول مبتكرة تنقذ المؤسسة في لحظات الأزمات. عندما يشعر الإنسان الذكي أن كل ليلة سهرها، وكل ضغط عصبي تحمله من أجل نجاح العمل، يتم اختصاره في كلمة “بديل”، ينطفئ شغفه فوراً، ويبدأ في التخطيط للهروب من هذا المستنقع الطارد للبشر.
نعم، في حسابات الورق والأرقام الجافة، قد لا يتوقف العمل ميكانيكياً برحيل أحد، ولكن السؤال الذي يفرّق بين القائد والجاهل: “بأي جودة وطاقة يستمر؟”. المدير الفاشل يرى استمرار دوران العجلة -حتى لو بإنتاجية مشوهة وهزيلة- نجاحاً، ولا يستوعب أن رحيل الكفاءات يترك وراءه خراباً تقنياً ونفسياً لا يسده عشرة من الهواة. القائد الحقيقي هو من يملك شجاعة الكبار ليقول لموظفيه: “نحن نكبر بوجودكم، وبصمتكم لا بديل لها”، فيكسب قلوبهم قبل عقولهم، ويدفعهم للإبداع بحب، لا بالخوف والتهديد.
المدير الذي يتباهى بأن العمل لا يقف على أحد، ينتهي به المطاف دائماً في مقبرة وظيفية محاطاً بـ “أشباه موظفين”. أجساد بلا أرواح، يعملون على قدر أموالهم فقط، بلا شغف وبلا غيرة على مصلحة المكان، ينتظرون ساعة الانصراف وكأنهم في سجن يومي. أما أصحاب العقول والكفاءات فيرحلون بصمت إلى أماكن تحترم وقار إنسانيتهم، ليتركوا هذا المدير وحيداً مع تروسه الصدئة، يندب تراجع مؤسسته، وهو لا يعلم أن العمل بالفعل لم يقف برحيلهم.. ولكنه ببساطة فقد روحه، ومات إكلينيكياً!