أنهكتنا الحياة… أم نحن من أنهكنا أنفسنا بالحياة

مقال اجتماعي

بقلم د/ريهام زكي 

كثيرًا ما نسمع الناس يقولون: “الحياة أصبحت مرهقة”، أو “الحياة لم تعد تُحتمل كما كانت”. ونكاد نجمع جميعًا على أن ضغوط الحياة أصبحت أكبر، ومتطلباتها أكثر، وسرعتها أسرع من قدرتنا على الاستيعاب. لكن يبقى سؤال يستحق التأمل:

هل أنهكتنا الحياة فعلًا؟ أم أننا، دون أن نشعر، ساهمنا في إنهاك أنفسنا داخل هذه الحياة؟

لا شك أن الحياة تحمل قدرًا من المشقة. فهي لا تخلو من مسؤوليات، ولا تتوقف عن وضعنا أمام تحديات جديدة. هناك خسارات لا نختارها، وظروف لا نملك تغييرها، وأحداث تفوق قدرتنا على التحكم. لكن رغم ذلك، ليست كل المعاناة ناتجة عن الحياة نفسها.

أحيانًا لا يرهقنا ما نعيشه، بل الطريقة التي نعيش بها ما نعيشه.

نرهق أنفسنا حين نحاول أن نكون أقوياء طوال الوقت، وكأن التعب عيب. نرهق أنفسنا حين نطالبها بالمزيد بينما هي تطلب فقط فرصة للراحة. نرهقها حين نقارن رحلتنا برحلات الآخرين، فنشعر أن ما نملكه لا يكفي، وأن ما حققناه لا يستحق التقدير.

ونرهقها أكثر حين نحمل هموم الغد قبل أن يأتي، ونسترجع أخطاء الأمس بعد أن انتهت، فنفقد القدرة على عيش اللحظة التي بين أيدينا.

كثير من الناس لا يسقطون بسبب ثقل الحياة وحده، بل بسبب ثقل الأفكار التي يحملونها عن الحياة. فكرة أنهم يجب أن يكونوا مثاليين. أن ينجحوا دائمًا. أن يرضوا الجميع. أن يتحملوا كل شيء دون شكوى. ومع الوقت، تتحول هذه الأفكار إلى أحمال غير مرئية تستنزف الروح أكثر مما تستنزفها الظروف نفسها.

وربما المشكلة الأكبر أننا أصبحنا نتعامل مع أنفسنا كما نتعامل مع الآلات. نطالبها بالإنتاج المستمر، والتركيز المستمر، والتحمل المستمر، دون أن نعترف بأنها تحتاج إلى التوقف أحيانًا، وإلى الهدوء أحيانًا أخرى.

لذلك قد يكون السؤال الأدق ليس: هل الحياة مرهقة؟

بل: كيف نعيش الحياة؟

هل نعيشها ونحن في صراع دائم مع أنفسنا؟ أم نعيشها بقدر أكبر من القبول والرحمة والمرونة؟

فالحياة ليست دائمًا سهلة، لكنها ليست دائمًا العدو أيضًا.

وفي كثير من الأحيان، حين ننظر بصدق إلى أعماقنا، نكتشف أن جزءًا من الإرهاق الذي نحمله لم تصنعه الحياة وحدها، بل صنعته محاولاتنا المستمرة لأن نكون أكثر مما نحتمل، وأقوى مما نستطيع، وأسرع مما تحتاجه أرواحنا.

ربما لا نستطيع أن نجعل الحياة أخف دائمًا.

لكننا نستطيع أن نتوقف قليلًا عن إضافة أوزان جديدة إلى أكتافنا.

وعندها فقط، قد نكتشف أن الحياة لم تكن ثقيلة إلى هذا الحد… وأننا كنا بحاجة إلى أن نعامل أنفسنا بلطف أكثر مما اعتدنا. 

 

بقلم / #د.ريهام_#زكى 

اخصائي نفسي

 اخصائي إرشاد نفسي 

 اخصائي علاج معرفى سلوكى 

ومدرب معتمد بالاتحاد الدولى للمدربين العرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى