أخر الأخبار

عبير الزلفي تكتب التعبير عن الذات دون ضياع

التعبير عن الذات دون ضياع

 

في لحظات معيّنة من العمر، نستيقظ على شعور غريب: تغيّر في المظهر، اضطراب في الإحساس بالذات، وتساؤل صامت أمام المرآة: هل ما زلتُ أنا؟ هذا المقال محاولة هادئة لفهم هذا الإحساس، وتحويله من ضياع مُربك إلى تعبير واعٍ يقرّبنا من أنفسنا بدل أن يُبعدنا عنها.

 

أولًا: لماذا نشعر أننا لم نعد نفهم أنفسنا؟

الإحساس بفقدان التعريف الذاتي لا يظهر فجأة من فراغ، بل غالبًا ما يكون نتيجة:

تراكم ضغوط نفسية ومسؤوليات طويلة الأمد.

خيبات أو فقدان أمان عاطفي.

ملل من أدوار ثابتة عشناها لإرضاء الآخرين.

عندما يعجز الداخل عن الكلام، يتكفّل الخارج بالتعبير.

ثانيًا: التغيّر في المظهر لغة نفسيه

التغيير المفاجئ في أسلوب اللبس أو الشكل ليس سطحية ولا نزوة؛ بل هو

رسالة صامتة عمّا يحدث في الداخل.

محاولة لاستعادة السيطرة.

إعلان غير مباشر عن كسر صورة قديمة لم تعد تُشبهنا.

المشكلة ليست في التغيّر، بل في غياب فهم معناه.

ثالثًا: لماذا يكون التغيّر مؤلمًا؟

لأننا نقف في منطقة وسطى:

نسخة قديمة لم تعد صالحة.

ونسخة جديدة لم تتشكّل بعد.

هذه المرحلة تُسمّى نفسيًا منطقة الفراغ، وهي أصعب مراحل التحوّل؛ حيث يشعر الإنسان بالفقد حتى وهو في طريقه للاكتشاف.

رابعًا: لماذا لا يفهمنا الآخرون؟

الآخرون اعتادوا نسخة مريحة لهم، لا بالضرورة صادقة لنا. التغيير يربكهم لأنه يذكّرهم بما يخشونه في أنفسهم. رفضهم غالبًا مقاومة، لا حكمًا.

خامسًا: كيف نعبّر عن أنفسنا دون أن نضيع؟

1) محور ثابت

اختيار ثلاث صفات جوهرية لا تتغيّر (مثل: الصدق، الحساسية، الثبات). أي تعبير جديد يجب ألا يناقض هذا الجذر.

2) التعبير بالكلمة قبل الشكل

الكتابة القصيرة قبل أي تغيير خارجي تُفرغ الوجع وتمنع الاندفاع.

3) التغيير الجزئي لا الكاسح

التعبير يمكن أن يكون قطعة واحدة، لونًا هادئًا، أو تفصيلة ذات معنى.

4) طقس يومي مُطمئن

طقس ثابت (دعاء، موسيقى، كتابة سطر) يُعيد الإحساس بالحضور.

5) فصل الجوهر عن المظهر

المظهر يتغيّر، القيم لا. ترديد هذه الحقيقة يثبّت الداخل.

سادسًا: مؤشرات أنكِ على الطريق الصحيح

هدو داخلي متزايد.

قلق أقل حتى لو لم يفهمك الجميع.

إحساس بالتشكّل لا بالضياع.

الضياع صاخب، أما الصواب فهادئ.

لسنا مطالبين بأن نكون مفهومين للجميع، بل أن نكون صادقين مع أنفسنا. التغيّر ليس فقدانًا للهوية، بل إعادة تشكيل لها على مهل. حين نفهم رسائلنا الداخلية، يصبح التعبير جسرًا للثبات لا بابًا للتيه.

 

أنا لا أضيع… أنا أتشكل.

الكاتبه /عبير الزلفي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى