زمن الفتن بقلم الكاتبه والأديبه تهاني عدس

مقال: زمن الفتن
بقلم: تهاني عدس
كنا نسمع عن زمن الفتن، وها نحن قد وصلنا إليه….
إن النظر إلى ما يحدث الآن في العالم العربي والإسلامي، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تُعد الأكثر اضطراباً، يكشف عن تفاقم الأوضاع.
لقد أدت حدة الصراعات السياسية إلى تعميق الانقسامات ليس فقط بين الشعوب، بل وبين فئات المجتمع الواحد. ورغم أن هذه الصراعات تبدو سياسية في ظاهرها، إلا أنها في جوهرها تستند إلى أسس دينية وطائفية وعرقية.
على الرغم من أن العالم الإسلامي لا يخضع لسلطة كهنوتية، فإن ما يشهده اليوم يشبه إلى حد كبير ما جرى في أوروبا خلال العصور الوسطى؛ حيث أدى تخلف المجتمعات آنذاك وجهلها بكيفية التعامل مع صراعاتها ومخاطرها إلى تفككها وتمزقها.
بالنظر إلى التاريخ، نجد أن العالم الإسلامي مرّ بحالات فتنة سابقة أفضت إلى وقوع حروب بين المسلمين أنفسهم، مثل الصراع الذي نشب في القرن السادس عشر بين الدولة العثمانية السنية والدولة الصفوية الشيعية، والذي نشب بسبب الأحقاد والكراهية بين الطرفين، مما أدى إلى انقسام سُنّي وشيعي ما زال مستمراً حتى يومنا هذا.
والجدير بالذكر أن الصراع الحالي أكثر ضراوة من صراعات العصور الوسطى والصراع العثماني-الصفوي، ويعود ذلك إلى تزايد عدد السكان، إضافة إلى الدور المحوري للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح الانتشار اللحظي للمعلومات على أوسع نطاق ممكن.
تسهم بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حاليًا في إثارة الفتن داخل المجتمع الواحد وبين الدول. يشهد العالم حربًا إلكترونية شرسة تُستخدم لتوجيه الرأي العام أو تضليله عبر تزييف الحقائق ونشر الأكاذيب المُفبركة، مما يعمق الخلافات ويزيد الاحتقان، وبالتالي يؤجج التوترات والانقسامات المجتمعية.
فماذا يجب أن نفعل؟
أولًا: حدد عدوك.
هل عدوك هو من يشاركك الوطن؟
الإجابة هي لا؛ فمصيركم واحد وعدوكم واحد، وهو الذي لا يفرق بين مسلم ومسيحي أو شيعي وسني، بل يتربص بالجميع. لذا، يجب التخلي عن الكره والحقد تجاه شريكك في الوطن.
في ظل حالة التشكيك والتخوين في نوايا الآخرين والرغبة الملحة في الإقصاء، يبدو ترسيخ مبدأ المواطنة والأخوة صعبًا في الوقت الراهن. ومع ذلك، ورغم كل التصدعات والانشقاقات في العالم العربي والإسلامي، فإن تحقيق المصالحة المجتمعية ليس مستحيلاً..
كان العرب في الجاهلية يتجنبون القتال بين الإخوة ويسعون جاهدين لتحقيق الصلح بين القبائل، ويحثون على إغمااد السيوف إحقاقاً لحقن الدماء.
يُذكر أن فتنة بغيضة وقعت بين قبيلتي الأوس والخزرج، مما أدى إلى صراعات وحروب دامت قرابة 120 عاماً، حتى أصلح بينهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أنعم الله عليهم بنور الإسلام، فانطفأت نار الثأر والحقد والضغينة. إن الصلح بين الأطراف المتنازعة داخل الأمة الواحدة يمكن تحقيقه من أجل المصلحة المشتركة لجميع الأطراف.
ثانياً: لا تشارك في نشر الفتن ولا تنصر فئة على أخرى:
إذا قدر الله أن تشتعل الفتنة، فإن السبيل الوحيد لإخمادها هو اعتزالها واجتناب أهلها، وذلك بكف اليد واللسان عن المشاركة فيها. إن اجتناب الفتن من أجل مصلحة الفرد والأمة، وهو أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي.
من الأحاديث الواردة في ذلك:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فيها خَيْرٌ من الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فيها خَيْرٌ من الْمَاشِي وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ من السَّاعِي وَمَنْ يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أو مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ)) رواه الشيخان.
يقول الإمام أحمد رحمه الله:
“الإمساك عن الخوض في الفتنة سُنّة ماضية، وواجب لزومها؛ فإذا ابتُليتَ، فَقَدِّم نفسك دون دينك، ولا تُعِنْ على فتنة بيدٍ ولا لسان؛ بل اكففْ يدك، ولسانك، وهواك، والله المعين”.
فعندما نتعرض لعاصفة، تُغلق النوافذ والأبواب والأفواه وتُغمض الأعين خشية أن يدخل منها الغبار؛ وهكذا هي الفتنة.
الخلاصة هي…
الفتنة ابتلاء عظيم من الله سبحانه وتعالى، تُسلَّط فيه أفراد المجتمع على بعضهم. وسبيل الخروج منها هو تحديد العدو الحقيقي، والسعي الصادق للإصلاح بين الأطراف المختلفة. فإن لم نستطع ذلك، وجب اعتزال الفتنة وعدم المشاركة فيها.
نسأل الله تعالى أن يحفظنا بحفظه، وأن يرزقنا اتباع الحق، وأن يحفظ بلادنا من كل شر، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وبطن، وأن يؤلف بين قلوبنا ويجمعنا على حسن ذكره وعبادته.



