أخر الأخبار

شيرين شيحة تكتب من الهواية إلى الهاوية

(من الهواية إلى الهاوية)

الموهبة قدر الإنسان الموهوب.. شيء وُضع فيه دون أن يختاره..

هي لا تُعلَّم ولكن تُكتشف ثم تُصقَل..

والموهبة يمكن أن تُمارس كهواية بدافع المتعة أو الفضول المعرفي أو الهروب الجميل من قيود الحياة

لتكون كفسحة صغيرة يخرج بها صاحبها من روتين الأيام، ويروّح بها عن قلبه كي لا يصدأ..

الكتابة موهبة وعندما تُمارس كهواية فإنها هنا تكون فعل حرّية تعتمد على البوح وتفر من القيود..

حيث يكتب الكاتب حين يشاء،ويصمت حين يشاء،

ولا يطارده سؤال ما الجدوى أو ما العائد؟

الكتابة كهواية تسمح للفكرة بالانطلاق دون موعد ، ولا تسمح للقارئ أن يُملي شروطه عليها ، ولا تلتزم بسوق يفرض ذائقته..

الكاتب الهاوي يكتب لأنه لا يستطيع ألّا يكتب، لا لأنه مطالب بأن يكتب..

لهذا نلاحظ أن كتابات الهواة تأتي أكثر عفوية ، وصادقة بالفطرة..

أما إذا تخطت الكتابة مرحلة الهواية لتدخل حيز الاحتراف فإنها تفرض على الكاتب في هذه الحالة مسؤولية زمنية ونفسية؛فهناك موعد،وانتظار،وحاجة للاستمرار..

الكاتب المحترف لا يكتب فقط حين تطرق الفكرة باب عقله ولكنه يجد نفسه مضطرا أن يستدعيها عنوة..

يبدأ الكاتب هاويًا لأن لديه دهشة المعرفة

يكتب ليَفهم.. ليرسم مساحات من البوح الممتع على الأوراق ، ليحاول استكشاف نفسه والعالم من حوله..

الهواية تمنح الكتابة الحرية أما لاحتراف فيمنحها الاستمرارية..

ولأن الكاتب إنسان ككل البشر يحمل في داخله الخير والشر ،فقد يجعل من الكتابة طريقًا إلى الصدق، أو يحوّلها إلى وسيلة للانتهاز والادّعاء. وهذا الفارق لا تصنعه الموهبة، بل تصنعه الأخلاق التي تُمسك بالقلم، والنية التي تقوده..

والكاتب الحقيقي هو من استطاع أن يحترف الكتابة دون أن يحترف التنازل عن نفسه..

 

إنّ التحوّل يحدث مع الوقت.. مع امتداد الصيت .. وضي الشهرة وتغيّر النفس.. ومع كل زيادة في تلك الأشياء إما أن يزداد صعودا وتواضعا أو يسير معها بشكل عكسي إلى السقوط والوضاعة..

 

فسقوط الكاتب لا يحدث فجأة، بل يتم على مهل، كمن ينزلق على منحدر وهو يظنّ نفسه يصعد..

 

أول السقوط حين يصم ذاته إلا عن التصفيق..ثم يتوقف عن سؤال نفسه هل ما أكتبه صادق؟

ليستبدله بسؤال آخر : هل سيعجبهم؟

هنا تتحوّل الكتابة من مساحة للصدق إلى عرض تمثيلي يبحث عن الإعجاب..

 

يسقط الكاتب حين يكتب ليتملق لا ليقول الحقيقة..

ليلمّع صورة مزيفة عن ذاته تخدم أهدافه..

 

يسقط الكاتب حين يخلط الجرأة بالوقاحة

فيظن أن كسر المحرّمات بطولة،وأن التعالي والكذب انتصار ،وأن السخرية حكمة..

هذا الكاتب لا يؤمن اصلا بكون الكتابة رسالة فالكتابة

لديه أداة ووسيلة يقترب بها من السلطة، أو يصنع بها سلطة..

يختار موضوعاته لا بحسب قناعاته، بل بحسب من يملك المنبر والقرار والتأثير..

يعلم زيف خطابه ويصرّ عليه.. يكتب ما يُرضي ويبدّل لغته ومواقفه مع تغيّر الريح.. يستخدم الخطاب الأخلاقي لخدمة المصالح الشخصية.. ويحاول إقصاء كل من يهدد صورته..

 

وهنا يرتقي دركة أعمق في السقوط دركة “الكاتب الآفاق”..

حين يسطو على أفكار غيره و.يقلّد الأساليب، حين يجري وراء “الترند”.. حين يتكلم بلغات لا يؤمن بمضونها ليتسلق مكانة او ليحوز منصبا ويتناقض كثيرا مع ما يؤمن به حتى يفقد صوت موهبته الربانية ويستبدلها بأصوات شيطانية تبحث عن دنيا قد يبيع في سبيلها حتى دينه..

 

أما أخطر انواع السقوط فهي

حين يصدّق الكاتب صورته الجديدة المشوهة هذه

ويختلق الكذب ليحافظ على لقب أو منصب أو شهرة..

عندها يُشكّل قناعه المزيف وجهه الحقيقي بل ويتوحد معه..

لأنه يكتب عن التواضع وهو مغرور.. عن الحرية وهو يقمع المختلف.. عن الصدق وهو يصنع صورة غير واقعية على الإطلاق..

 

هذا ليس كاتبًا أفّاقًا لأنه يناقض نفسه،بل لأنه يبني هذا التناقض عن وعي ويستثمره..

 

كثير من الكتّاب كتبوا عن العدالة وهم لم يكونوا عادلين ،وعن الرحمة وهم قساة.. عن الصدق وهم لا يتحرون منه شيئا..

 

الهاوية هنا لم تبدأ بفقدان العلاقة النزيهة مع الكلمة فقط بل مع ذاته نفسها..

 

الكاتب الشريف هو من لا يتعمّد الكذب،ولا يزيّف الوعي وهو يعلم..

الكاتب الشريف لايستخدم الكلمة لإيذاء الأبرياء أو لتلميع الباطل..

ولا يجعل من الكتابة غطاءً لأطماع شخصية.. لا يبيع الوهم على أنه حقيقة..

 

وهنا يكمن الشرف الحقيقي.. في الصدق مع الضمير..

الكتابة ليست في كل الأحوال مرآة نقية تعكس نفس الكاتب..

من يكتب بصدق يُحاول إصلاح نفسه.. والقلم الشريف يربّي صاحبه..

الكاتب الشريف ليس ملاكًا، لكنه ليس انتهازيا ولا متاجرا بالقيم ، ولا مزوّرًا للوعي..

إنه إنسان يحاول أن يكون صادقا أكثر مما يحاول أن يكون مقبولًا.

وهذه أعلى مراتب الكتابة..

فهذا الكاتب يراها أمانة قبل أن تكون مهارة، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وسيلة ظهور وشهرة وتكسّب..

يكتب لأنه يؤمن أن ما يُسطَّره قد يكون هداية أو شهادة أو معني يوقظ الضمير..

يكتب غير منتظر لمكافأة.. ويصمت حين يشعر أن الصمت أصدق من الكلام…

يقبل النقد لأنه يثق بأفكار ولا يغيّر موقفه بتغيّر السلطة أو بحسب ذائقة الجمهور..

الكتابة لديه فعل صدق، لا وسيلة صعود.

وهو مستعد لأن يخسر الامتيازات في سبيل أن يحافظ على مبادئه وما يومن به..

 

الكاتب الشريف يجعل من الكلمة ميزانًا لنفسه،

أما الكاتب الأفّاق فيجعل من الكلمة سلّما لأهوائه..

يصنع صورة مثالية لنفسه عبر النصوص، لا ليرشد ، بل ليُضلِّل،ويستخدم اللغة لا لقول الحقيقة، بل لتلميع الذات.. يكتب بلسان الواعظ، بينما سلوكه العملي يناقض ما يدعو إليه.. يتبني قضايا كبرى (الحرية، المظلومين، القيم…) لا عن قناعة، بل لأنها مربحة ثقافيًا..

قد يتشابهان في البلاغة.. وقد يلتقيان في المنابر..

لكن الفارق بينهما يقاس بالسنوات الضوئية..

 

الأدب ليس شهادة حسن سير وسلوك.. لكنّه يفقد شرفه حين يتحوّل إلى خطاب مقصود للتضليل..

 

الكاتب الأفّاق لا يُعرَف من جمال لغته،

ولا من سمو موضوعاته،بل من الفجوة الهائلة بين ما يكتبه وما يفعله في مواقفه..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى