طارق غريب يكتب مجلس السلام

مجلس السلام
طارق غريب يكتب
في أروقة العاصمة الأمريكية واشنطن ، حيث تتقاطع خيوط السياسة العالمية مع أحلام السلام الزائفة أحياناً ، برز مجلس السلام ككيان جديد يحمل في طياته أسراراً وطموحات لا تخفى على المتابعين. بدأت قصة هذا المجلس في أواخر عام 2025، عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب عن خطة طموحة لإنهاء الصراع في غزة ، مستلهماً من تجاربه السابقة في صفقات الشرق الأوسط. كان الإعلان الأولي مجرد همسة في أروقة البيت الأبيض ، لكنه سرعان ما تحول إلى واقع ملموس في يناير 2026 ، خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي ، حيث وقع ترامب ميثاق التأسيس بمشاركة ممثلين عن دول عديدة. هذا المجلس ، الذي يُقال إنه مدعوم بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 ، يهدف ظاهرياً إلى إعادة إعمار غزة وإنعاشها اقتصادياً بعد سنوات من الدمار ، لكنه يحمل في جوهره رؤية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي ، بعيداً عن قيود الأمم المتحدة التي يراها ترامب فاشلة في مهامها. ومع أن مقره الرئيسي في واشنطن ، إلا أن أصداءه امتدت إلى عواصم العالم ، محفزاً جدلاً حول ما إذا كان جسراً للسلام أم أداة للهيمنة الأمريكية.
يبدأ ميثاق مجلس السلام بديباجة شعرية تذكر بالأحلام الكبرى ، حيث يعلن أن السلام الدائم يتطلب حكمة عملية وشجاعة للتخلي عن المؤسسات الفاشلةة، وأن تمكين الشعوب من مصيرها هو السبيل الوحيد للاستقرار. هذا النص ، الذي حصلت عليه وسائل إعلام عديدة، يرسم صورة لمنظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار وإعادة بناء الحكم الرشيد في المناطق المتضررة من النزاعات. لكن وراء هذه الكلمات الرنانة، تكمن تفاصيل دقيقة تحدد هيكل المجلس : فهو يتكون من مجلس تنفيذي يرأسه ترامب مدى الحياة ، مع صلاحيات واسعة تشمل حق النقض على أي قرار، وتعيين خليفته، ودعوة الدول للانضمام. الميثاق ينقسم إلى فصول تغطي الأهداف والعضوية والتمويل ، مؤكداً أن دخوله حيز التنفيذ يحتاج فقط إلى موافقة ثلاث دولو، ما يجعله مرناً وسريع التفعيل. وفي غزة ، يركز الميثاق على إشراف انتقالي لإعادة الإعمار ، مع خطط لجذب استثمارات هائلة وتشكيل قوة دولية للحفاظ على السلام ، لكنه يتجنب الخوض في قضايا حساسة مثل حق تقرير المصير الفلسطيني ، مما يثير تساؤلات حول نواياه الحقيقية.
تتركز أهداف مجلس السلام في تعزيز السلام الدائم من خلال آليات عملية ، بدءاً من غزة كاختبار أولي. يهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية المدمرة ، وإنعاش الاقتصاد المحلي عبر جذب مليارات الدولارات من الدول الأعضاء ، مع التركيز على مشاريع مثل بناء الموانئ والمطارات والمناطق الصناعية. كما يشمل برامج لتدريب الشرطة المحلية وتشكيل قوة حفظ سلام دولية تضم آلاف الأفراد من الدول المنضمة، لضمان عدم عودة النزاعات. ومع ذلك ، يتجاوز المجلس حدود غزة ، إذ يعلن عن طموحه في حل النزاعات العالمية الأخرى ، مثل تلك في أوكرانيا أو الشرق الأوسط بشكل عام ، مستخدماً نهجاً يعتمد على الشراكات الاقتصادية بدلاً من العقوبات الدولية. هذا النهج، الذي يصف نفسه بالعملي والمنطقي ، ينتقد المؤسسات التقليدية لفشلها في منع الحروب ، ويعد بكفاءة أعلى من خلال قرارات سريعة غير مقيدة بالبيروقراطية ، لكنه يثير مخاوف من أن يكون مجرد أداة لفرض الرؤية الأمريكية على العالم.
أما العضوية في مجلس السلام، فهي مقتصرة على الدول التي يدعوها الرئيس ترامب شخصياً ، مما يمنحه سيطرة مطلقة على تشكيلته. تبدأ العضوية فور إخطار الدولة بقبولها الالتزام بالميثاق ، وتستمر لثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار من الرئيس ، أما العضوية الدائمة فتتطلب دفع مليار دولار أمريكي لتمويل أنشطة المجلس خلال السنة الأولى. هذا الشرط المالي، الذي يُرى كابتزاز اقتصادي ، يهدف إلى ضمان التزام الدول بالأهداف، لكنه يحد من مشاركة الدول الفقيرة ويجعل المجلس نادياً للأغنياء والحلفاء. كما ينص الميثاق على أن القرارات تتخذ بالأغلبية ، مع صوت واحد لكل دولة ، لكنها تخضع جميعها لموافقة الرئيس ، مما يعزز من سلطته. هذه الشروط أثارت جدلاً واسعاً ، إذ يراها البعض محاولة لإعادة صياغة النظام الدولي بعيداً عن مبادئ المساواة ، بينما يدافع آخرون عنها كوسيلة لتحقيق كفاءة أكبر في مواجهة التحديات العالمية.
حتى الآن، انضمت إلى مجلس السلام نحو 26 دولة في الدفعة الأولى ، مع وعود بانضمام المزيد. تشمل القائمة دولاً عربية مثل مصر والسعودية والإمارات والبحرين والمغرب والأردن وقطر ، إلى جانب دول آسيوية كتركيا وإندونيسيا وباكستان وكازاخستان وأوزبكستان ومنغوليا وكمبوديا. كما تشمل دولاً أوروبية وأمريكية جنوبية مثل ألبانيا وبلغاريا وبلجيكا والمجر وكوسوفو والأرجنتين وباراغواي ، بالإضافة إلى أرمينيا وأذربيجان وبيلاروسيا. هذه الدول وقعت الميثاق في دافوس ، مع التزامها بتقديم دعم مالي وعسكري لإعادة إعمار غزة ، وتشكيل قوة الاستقرار الدولية. غير أن بعض الدول رفضت الانضمام ، مثل المكسيك والفاتيكان، الذي أعلن أن طبيعته الخاصة تحول دون المشاركة، مما يعكس انقساماً دولياً حول شرعية المجلس وأهدافه.
يرأس مجلس السلام دونالد ترامب مدى الحياة، مع صلاحيات تجعله الشخصية المركزية في كل قراراته. يمنحه الميثاق حق النقض على أي قرار ، وتعيين الأعضاء في المجلس التنفيذي ، الذي يضم سبعة أشخاص بارزين مثل وزير الخارجية ماركو روبيو ، والمبعوث ستيف ويتكوف ، وصهر ترامب جاريد كوشنر ، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. هذه الصلاحيات الواسعة تسمح له بتوجيه أنشطة المجلس نحو أولويات أمريكية ، مثل تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال صفقات اقتصادية ، أو مواجهة التحديات في مناطق أخرى. ومع أن ترامب يصف نفسه بصانع السلام الأعظم، إلا أن هذه السلطة أثارت مخاوف من تحول المجلس إلى أداة شخصية ، بعيداً عن المبادئ الديمقراطية ، خاصة أنه يمكنه اختيار خليفته دون استشارة الآخرين.
في غزة ، يركز مجلس السلام أنشطته على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ، الذي دخل حيز التنفيذ مؤخراً ، مع الإشراف على إعادة الإعمار
بتمويل يتجاوز الخمسة مليارات دولار من الدول الأعضاء. تشمل الأنشطة بناء بنى تحتية جديدة ، وتدريب قوات أمنية محلية ، وإرسال قوة حفظ سلام دولية لمنع الانتهاكات. ومع ذلك ، أبلغت حركة حماس عن دعوتها المجلس للضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها ، التي أدت إلى مقتل مئات الفلسطينيين منذ الاتفاق. يعقد المجلس اجتماعه الأول في واشنطن في 19 فبراير 2026 ، مصحوباً بمؤتمر لجمع التبرعات ، مما يعكس تركيزه على الجانب الاقتصادي ، لكنه يتجاهل الجوانب السياسية العميقة مثل الاحتلال والحقوق الفلسطينية.
يتجاوز مجلس السلام حدود غزة ، إذ يطمح إلى توسيع دوره لحل نزاعات عالمية أخرى، مستلهماً نجاحه المزعوم في الشرق الأوسط. يتحدث ترامب عن إمكانيات غير محدودة للمجلس ، الذي يمكنه التدخل في صراعات مثل تلك في أوكرانيا أو أفريقيا ، عبر آليات اقتصادية وأمنية سريعة. هذا التوسع يجعله منافساً محتملاً للأمم المتحدة ، التي ينتقدها الميثاق لفشلها في بناء سلام دائم ، مما يثير تساؤلات حول إعادة تشكيل النظام الدولي تحت قيادة أمريكية.
يواجه مجلس السلام انتقادات حادة من خبراء ودبلوماسيين، الذين يرونه محاولة لتقويض الأمم المتحدة وفرض هيمنة أمريكية. يصفونه بـ’ نادي المليارديرات ” بسبب شرط الدفع للعضوية الدائمة ، ويخشون أن يصبح أداة لمصالح شخصية ، خاصة مع سلطة ترامب المطلقة. كما رفضت دول مثل المكسيك والفاتيكان الانضمام ، معتبرة إياه غير محايد ، بينما يدافع آخرون عنه كبديل فعال للمؤسسات البطيئة.
يقف مجلس السلام في واشنطن كرمز لعصر جديد ، حيث تتقاطع الطموحات السياسية مع الواقع المعقد. قد ينجح في إعادة بناء غزة ، لكنه قد يعمق الانقسامات العالمية، تاركاً العالم يتساءل إن كان جسراً للسلام أم جداراً للهيمنة.
طارق غريب – مصر






