كحيت الغلبان في مواجهة وحش الأسعار

كحيت الغلبان في مواجهة وحش الأسعار
بقلم الاعلامية: عبير الزلفي.
المواطن البسيط في معركة غير متكافئة
لم يعد الفقر في زمن التضخم مجرد قلة مال، بل أصبح معركة يومية من أجل البقاء.
فبينما ترتفع الأسعار كأنها في سباق لا يعرف التوقف، يبقى دخل المواطن البسيط ثابتًا كساعة متوقفة منذ سنوات.
وهكذا يجد “كحيت الغلبان” نفسه واقفًا وحده في مواجهة وحش الأسعار، بلا حماية ولا رحمة من سوقٍ لا يعترف إلا بالأرقام.
لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد أرقام تُعلن في نشرات الاقتصاد، بل أصبح واقعًا يوميًا يطارد المواطن البسيط في كل تفاصيل حياته. فكل صباح يستيقظ “كحيت الغلبان” ليجد أن احتياجاته الأساسية
أصبحت أغلى من قدرته على الاحتمال، بينما راتبه ما زال واقفًا في مكانه كأنه ينتمي إلى زمن آخر.
إن التضخم الاقتصادي حين يرتفع، ترتفع معه تكلفة الحياة: الغذاء، المواصلات، الطاقة، والخدمات الأساسية، وكل ما يحتاجه الإنسان ليعيش حياة كريمة. لكن
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تظل الأجور ثابتة، وكأنها لا تسمع صراخ الأسواق ولا ترى قفزات الأسعار.
الأجور الراكدة.. الجرح المفتوح
القاعدة الاقتصادية البسيطة تقول إن الأجور يجب أن تتحرك مع حركة الأسعار حتى يستطيع المواطن الحفاظ على مستوى معيشته. لكن
الواقع في كثير من الأحيان يسير في اتجاه معاكس، حيث تبقى الأجور راكدة لسنوات طويلة بينما تتغير تكاليف الحياة بسرعة كبيرة.
ويبرر البعض ذلك بضعف النمو الاقتصادي أو بقدرة الشركات المحدودة على زيادة المرتبات.
لكن في المقابل، نرى أسعار السلع والخدمات ترتفع بلا تردد، وكأن السوق يعرف طريق الزيادة فقط، ولا يعرف طريق التوازن.
وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية، حيث يجد “كحيت الغلبان” نفسه في معادلة قاسية:
أسعار ترتفع بلا سقف… ودخل ثابت لا يكفي حتى منتصف الشهر.
مفارقة السوق
المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من القطاعات الاقتصادية ترفع أسعار منتجاتها وخدماتها وفقًا لحركة السوق دون تردد.
فعندما ترتفع التكاليف، تُرفع الأسعار سريعًا لحماية الأرباح.
لكن عندما يتعلق الأمر بالأجور، يصبح الحديث عن الزيادة معقدًا وصعبًا، وكأن العامل أو الموظف هو الحلقة الأضعف في المعادلة الاقتصادية.
وهنا يبرز السؤال المنطقي:
إذا كان من حق السوق أن يرفع الأسعار باستمرار، فلماذا لا يتحرك دخل المواطن بنفس الوتيرة؟
المواطن بين فكي كماشة
النتيجة النهائية لهذا المشهد الاقتصادي أن المواطن البسيط أصبح محاصرًا بين فكي كماشة:
أسعار ترتفع بلا توقف.
وأجور ثابتة لا تواكب الواقع.
ومع استمرار هذا الوضع، تتآكل القوة الشرائية للناس، وتزداد الضغوط النفسية والاجتماعية، بينما
يشعر كثيرون بأنهم يركضون بلا نهاية في سباق لا يمكن الفوز به.
الطريق إلى التوازن
إن مواجهة هذه الأزمة لا تتطلب حلولًا مستحيلة، لكنها تحتاج إلى قدر أكبر من التوازن في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فربط الأجور بمعدلات التضخم، وتشجيع الشركات على تحسين دخول العاملين،
وتبني سياسات اقتصادية تراعي قدرة المواطن على المعيشة، كلها خطوات يمكن أن تخفف الضغط عن ملايين الناس.
ففي النهاية، الاقتصاد لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو أرقام النمو، بل بقدرة الإنسان العادي على أن يعيش بكرامة.
سيظل “كحيت الغلبان” يقف كل يوم في مواجهة وحش الأسعار، يحاول أن يحافظ على كرامته وسط معركة غير متكافئة.
فهو لا يطلب رفاهية ولا ثراء، بل يريد فقط أن يكون دخله قادرًا على أن يمنحه حياة إنسانية بسيطة.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا في الهواء:
إلى متى يظل كحيت الغلبان يقاتل وحده في هذه المعركة؟



