الدكتور علي عبدالحكيم الطحاوي يكتب: السيسي يصدم الأمريكان والاحتلال الإسرائيلي
المتخصص بالشؤون السياسية والإقتصادية

ارى التحرك المصري الحالي للرئيس عبد الفتاح السيسي يعد تحرك استراتيجي قد يقلب موازين القوى برؤية مصرية في توقيت استثنائي لمواجهة العاصفة في الشرق الأوسط ، لينقذ دول الخليج من السيطرة الأمريكية أو الإيرانية على مقدراتهم التي يتضح أنها الهدف الحقيقي من الحرب .
من يريد أن يفرض سيطرته على منطقة الخليج؟؟
إيران أم الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي؟..!
لذلك أرى دول الخليج بين ( المطرقة والسندان ) .
ولذا عدم تدخلهم في الحرب مع الأضرار المتلاحقة بهم للحفاظ على مقدرات الدول الخليجية والخروج من الأزمة الراهنة .
لعل يتم اقتناع دول الخليج بالواقع أن مصر شقيقة لهم وتعمل لصالح شعوبهم وليس بواقع أن مصر تعمل لصالح مصر فقط، لأنه منذ القدم تؤمن بأن يجب التنصل من الحماية والوصاية الأمريكية والعمل على قوة عربية لحماية وطنهم ومقدراتهم في وقت واحد مع مصر .
لذلك تأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لعدة دول بالخليج في توقيت حساس للغاية يسبق احتمالات انفجار الحرب الإيرانية الراهنة
لتبرهن الواقع وتفرض قوة الدولة المصرية وهيبتها على منطقة الخليج العربي أمام نظر الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي ومن خلال تلك الزيارة الحاسمة للمفاوضات الرامية للتوصل إلى حل جذري للأزمة المتصاعدة، حيث تهدف التحركات المصرية بشكل مباشر إلى إنقاذ التجارة الدولية وحماية الاقتصاد العالمي من انهيار محقق في إمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد الغذائي العالمي عبر بحث خطورة استخدام مضيق هرمز الذي يمثل الشريان النابض للخليج العربي والشرق الأوسط في آن واحد .
لقد جاءت هذه التحركات لتؤكد مجددًا مكانة مصر كقوة إقليمية مؤثرة وحاضرة بقوة في قلب الأزمات الجيوسياسية المعقدة التي تشهدها المنطقة، بقيادة الرئيس السيسي الذي نجح في إرسال رسائل صاعقة إلى الجانب الأمريكي وسلطات الاحتلال الإسرائيلي مفادها أن القاهرة تملك مفاتيح الحل والربط ولا يمكن تجاوز دورها المحوري في صياغة أي ترتيبات أمنية أو سياسية تتعلق بمستقبل المنطقة أو أمن الممرات المائية الدولية التي تعد خطًا أحمر للدولة المصرية .
وإن الصدمة التي تلقتها الدوائر السياسية في واشنطن وتل أبيب تكمن في قدرة الدبلوماسية المصرية على المناورة في مناطق النفوذ التقليدية وتحويل المسارات نحو التهدئة القائمة على احترام السيادة الوطنية للدول، بعيدًا عن سياسات المحاور والقطبية التي يسعى البعض لفرضها على الإقليم. كما يعكس التحرك المصري وعيًا عميقًا بترابط الأمن القومي العربي بأمن الطاقة العالمي ، مما يجعل من القاهرة صمام أمان حقيقي يمنع انزلاق المنطقة نحو هاوية الصراع المفتوح الذي قد يحرق الأخضر واليابس .
وفي ظل هذا المشهد المعقد تبرز الرؤية المصرية كحائط صد منيع أمام محاولات تدويل الأزمات الإقليمية أو استغلال التوترات لتحقيق مكاسب ضيقة على حساب شعوب المنطقة حيث يضع الرئيس السيسي المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية بضرورة كبح جماح التصعيد وضمان حرية الملاحة في المضايق الحيوية لضمان استقرار الأسواق العالمية وحماية لقمة عيش الملايين التي ترتبط بشكل وثيق باستقرار سلاسل الإمداد العابرة للحدود والقارات .
وقد يبدو من خلال الأحداث وقراءتي للمشهد العسكري والسياسي في المنطقة أن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير الاستقرار العالمي حيث تتجه الأنظار نحو قدرة الوساطة المصرية على صياغة اتفاق تهدئة يمنع تحول الضربات المتبادلة إلى حرب شاملة ومفتوحة الأمد .
لذلك أتوقع أيضًا تحركات الرئيس السيسي المكثفة واتصالات القاهرة معةالعواصم الفاعلة لضمان عدم انزلاق الأوضاع نحو إغلاق دائم لمضيق هرمز وهو السيناريو الذي سيعني بالضرورة قفزات تاريخية في أسعار الطاقة قد تتجاوز حاجز 150 دولارًا للبرميل، مما سيلقي بظلال ثقيلة على معدلات التضخم العالمي ويهدد بانهيار سلاسل توريد الغذاء للدول النامية والمتقدمة على حد سواء .
وأرى من المتوقع والمحتمل من الأحداث تضرر أسعار الطاقة عالميًا لمدة تقترب من ثلاث سنوات لذلك كان يجب التدخل المصري لعدم الانسياق إلى صراع عالمي شامل يسبب أزمة اقتصادية عالمية على مدار عدة سنوات.
وذلك يتضح من تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة (قطر للطاقة) أن أضرار الهجوم الإيراني على موقع (رأس لفان) سيؤدي إلى توقف 17% من طاقة الغاز الطبيعي لمدة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات.
وأرى هذا التصريح من أخطر التصريحات في الحرب الراهنة على إيران، ويعكس مدى مستقبل الطاقة بعد الحرب، وحجم الكارثة التي قد تمس أمن إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا .
لذلك أتوقع أن يشهد المشهد على الصعيد الميداني ضغوطًا عسكرية مكثفة من جانب القوى الدولية لتأمين المسارات الملاحية البديلة للحفاظ على مقدرات إمدادات الطاقة في المناطق الآمنة من دول الخليج، وستعمل مصر على تعظيم دور قناة السويس كشريان آمن ومستقر وسط هذه الاضطرابات، مع السعي لرفع تصنيف مخاطر الحرب عن الموانئ المصرية لتخفيف أعباء التأمين على الشحن الدولي .
ومن المنتظر أن تسفر التحركات المصرية في دول الخليج عن تنسيق أمني وسياسي غير مسبوق يهدف إلى حماية المنشآت النفطية والغازية من أي استهدافات قد تؤدي إلى شلل في ” الاقتصاد الدولي ” خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن استنزاف كبير في منصات إطلاق الصواريخ والقدرات الجوية مما قد يدفع الأطراف المتصارعة للقبول بجلوس اضطراري على طاولة المفاوضات التي تقودها مصر بحنكة وهدوء .
ومن هنا يبقى الرهان خلال الساعات القادمة على “دبلوماسية الأزمات” التي تنتهجها القيادة المصرية حيث يتوقع أن تخرج للنور مبادرة مصرية شاملة لا تكتفي بوقف التصعيد العسكري فحسب بل تضع إطاراً قانونياً ودولياً جديداً يضمن تحييد الممرات المائية من مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس عن الصراعات السياسية والعسكرية وهو ما سيعيد صياغة مفهوم الأمن القومي العربي بمنظور مصري خالص يضع مصالح الشعوب واستقرار الاقتصاد العالمي فوق أي اعتبارات أخرى مما يكرس مكانة الرئيس السيسي والدور المصري كدور استراتيجي لا يمكن استبعاده من معادلة الاستقرار في الشرق الأوسط والعالم .



