فشل الوساطة الباكستانية في مفاوضات أمريكا وإيران

فشل الوساطة الباكستانية في مفاوضات أمريكا وإيران

طارق غريب

يكتب

هل كانت مصر تملك مفتاح النجاح الذي افتقدته إسلام آباد؟
في ساعات الفجر الأولى من يوم الأحد الثاني عشر من أبريل عام 2026 ، غادر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس العاصمة الباكستانية إسلام آباد ، خالي اليدين بعد أكثر من واحد وعشرين ساعة من المفاوضات الماراثونية التي جمعته بالوفد الإيراني ، برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. لم يُوقع أي اتفاق ، ولم يُمدد وقف إطلاق النار الهش إلا ببيانات دبلوماسية جوفاء لا تعني شيئاً على أرض الواقع. بهذا الفشل المدوي ، أعلنت باكستان نهاية رهانها الاستراتيجي على أن تكون الجسر الحيوي بين واشنطن وطهران ، وخرجت من التجربة بجرح دبلوماسي عميق لا يُمحى بسهولة.
إن هذا الفشل ليس مجرد حلقة عابرة في سلسلة المفاوضات الفاشلة، بل هو لحظة فارقة تكشف عن أزمة بنيوية في مفهوم الوساطة الإقليمية في عصرنا متعدد الأقطاب. فباكستان، التي راهنت بكل رصيدها الجيوسياسي والاقتصادي على هذه المهمة ، وجدت نفسها أمام تناقضات جوهرية تحولت فيها مزاياها الظاهرية إلى قيود استراتيجية خانقة. الحدود المشتركة الطويلة مع إيران ، والعلاقات التاريخية مع الثورة الإسلامية ، والتحالف المتين مع الصين عبر ممر CPEC ، كلها لم تكن كافية لتحويل إسلام آباد إلى لاعب قادر على إحداث الاختراق المطلوب.
كانت باكستان تملك المكان والجغرافيا ، لكنها افتقدت الرؤية والوزن الاستراتيجي الحقيقي. فالثقة المتبادلة بين الطرفين الأمريكي والإيراني كانت معدومة منذ البداية ، إذ ترى طهران في إسلام آباد شريكاً يعتمد اقتصادياً على قوى إقليمية أخرى تعاديها بشدة ، بينما تنظر واشنطن إلى باكستان كحليف مفيد تكتيكياً لكنه غير موثوق بعد تجارب سابقة. هذا النقص في الثقة جعل الوساطة مجرد غرفة اجتماعات فارغة من أي قدرة على الضغط أو التحفيز الفعّال.
أما عدم التوازن في أدوات الضغط فكان أبرز أسباب الانهيار. فباكستان لا تملك القدرة على رفع العقوبات ، ولا تستطيع تقديم ضمانات أمنية حقيقية لإيران، ولا تملك نفوذاً يسمح لها بإقناع الأطراف الإقليمية بتقديم تنازلات متبادلة. كانت إذن مجرد مضيف يوفر المائدة ، لكنها لم تستطع أن تقدم الطعام الذي يشبع جوع الطرفين. والخلافات الجوهرية حول الملف النووي ، وتخصيب اليورانيوم عالي النقاوة ، وسيطرة مضيق هرمز، ودعم المحاور المسلحة، ليست خلافات فنية يمكن حلها في جلسة ماراثونية واحدة ، بل هي قضايا وجودية تتطلب رؤية استراتيجية شاملة وأدوات ضغط متوازنة.
وفي المقابل ، تبرز مصر كوسيط إقليمي فريد لا مثيل له في الشرق الأوسط ، ليس بسبب الجغرافيا وحدها ، بل بفضل خبرتها التراكمية التي تمتد لعقود من الزمان. فمصر ليست دولة وسيطة عابرة ، بل هي الوسيط التاريخي الذي أثبت قدرته على تحويل النزاعات المستعصية إلى هدن قابلة للإدارة. من اتفاق كامب ديفيد عام 1978 الذي أنتج أول سلام عربي-إسرائيلي كامل رغم الثمن السياسي الباهظ ، إلى وساطاتها المتكررة في غزة التي أنقذت وقف إطلاق النار مرات عديدة بين حماس وإسرائيل حتى عام 2025 ، تظل القاهرة صاحبة السجل الأكثر نجاحاً واستمرارية.
لم تقتصر خبرة مصر على الجبهة الفلسطينية-الإسرائيلية ، بل امتدت إلى الملف اليمني حيث لعبت دوراً محورياً في اتفاق الرياض ومحادثات ستوكهولم ، وإلى ليبيا حيث أنتج اتفاق القاهرة عام 2020 وقفاً جزئياً للحرب الأهلية التي مزقت البلاد. كما نجحت في وساطة جوبا في السودان وفي محادثات سد النهضة مع إثيوبيا، وفي بناء قنوات خلفية مع أطراف إقليمية مختلفة عبر البحر الأحمر. هذه الخبرة التراكمية جعلت مصر متخصصة في لغة ‘تقريب التناقضات’ بطريقة تحفظ ماء وجه الجميع وتحافظ على التوازن الاستراتيجي.
فما يميز الوساطة المصرية عن غيرها هو الثقة النسبية المتبادلة التي تتمتع بها من الطرفين الأكبر. فالولايات المتحدة تثق في مؤسسات الدولة المصرية منذ عقود، مدعومة بتنسيق استخباراتي وأمني مستمر. أما إيران ، رغم الخلافات الأيديولوجية العميقة ، فتحترم مصر كدولة حضارية كبرى ذات وزن تاريخي لا يُستهان به، وليست مجرد تابع لأي محور. الاتصالات الرئاسية المباشرة بين الرئيس السيسي والرئيس الإيراني بزشكيان في مارس 2026 تؤكد أن القنوات لا تزال مفتوحة وفعالة ، وتعكس استعداد مصر الدائم للعمل على خفض التصعيد.
لو كانت مصر هي الوسيط في هذه المفاوضات ، لكان هناك أمل حقيقي في النجاح المرحلي، ليس لأنها ساحرة قادرة على حل المستحيل ، بل لأنها تملك الأدوات التي افتقدتها باكستان تماماً. كانت القاهرة ستستطيع تقديم حزمة متكاملة تجمع بين رفع جزئي للعقوبات ، وضمانات أمنية إقليمية ، ودور عربي مصري في منع تحول إيران إلى قوة نووية ، مقابل تجميد البرنامج النووي وتقليص الدعم للمحاور المسلحة. هذا النوع من ‘ الصفقات المتوازنة : هو فن مصري خالص، أتقنته القاهرة في غزة وفي ليبيا مراراً ، مستندة إلى مبدأ الحلول السياسية التدريجية.
الجيش المصري والمخابرات العامة يمتلكان قنوات خلفية مباشرة مع أطراف إيرانية مختلفة ، وهو ما يتيح تحويل النزاعات ‘غير القابلة للحل ‘ إلى ‘هدن قابلة للإدارة’ بطريقة تحفظ كرامة الجميع. كما أن موقع مصر الاستراتيجي على البحر الأحمر وقناة السويس يمنحها نفوذاً مباشراً على أمن الملاحة العالمية ، مما يجعلها الوسيط الذي لا يستطيع أحد رفضه دون دفع ثمن باهظ على المصالح الإقليمية والدولية.
الرئيس السيسي يحظى بعلاقة شخصية قوية مع الإدارة الأمريكية منذ سنوات ، وفي الوقت نفسه يستطيع مخاطبة القيادات الإيرانية البراغماتية بلغة الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة. هذا ‘الرأسمال السياسي’ الشخصي هو ما كان سيحول الوساطة من مجرد اجتماعات إلى عملية استراتيجية حقيقية تعتمد على الثوابت المصرية في رفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية.
في السيناريو الأكثر احتمالاً لو تولت مصر الوساطة ، كان النجاح سيأتي بنسبة تتراوح بين خمسة وخمسين وخمسة وستين بالمائة، مقابل عشرين إلى خمسة وعشرين بالمائة فقط في النسخة الباكستانية. لأن مصر تفهم ‘لغة المنطقة’ و’لغة واشنطن: في آن واحد ، وتستطيع أن تحول الفشل المحتمل إلى تقدم تدريجي خطوة بخطوة ، بدلاً من المطالبة بـ’كل شيء أو لا شيء’ الذي أدى إلى انهيار الوساطة الباكستانية.
هذه الفرصة ليست مجرد فرصة دبلوماسية عابرة ، بل هي فرصة استراتيجية تاريخية لمصر لتعيد تأكيد دورها كلاعب محوري في الشرق الأوسط الجديد. فشل باكستان ليس نهاية المفاوضات ، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب وسيطاً يملك الوزن والخبرة والمصداقية. والمنطقة كلها تنظر الآن إلى القاهرة متسائلة : هل ستستغل هذه اللحظة قبل أن يتقدم لاعبون آخرون ليسرقوا المشهد؟
الدبلوماسية المصرية ، كما أثبتت التجارب التاريخية ، لا تتكلم كثيراً ، ولا تتباهى بالإنجازات ، لكنها عندما تتحرك تفعل ذلك بثقل وحكمة تغير قواعد اللعبة. إن خبرتها التراكمية في عمليات الوساطة وتقريب وجهات النظر ليست مجرد سجل أرشيفي ، بل هي رصيد حي يمكن استثماره الآن لصالح الاستقرار الإقليمي والمصالح المصرية العليا.
تستند الدبلوماسية المصرية في جوهرها إلى مبدأ التوازن بين المصالح الوطنية والإقليمية ، مع الالتزام الثابت برفض أي تصعيد يهدد أمن الملاحة أو استقرار الدول العربية. هذا المبدأ نفسه هو ما جعل مصر تُقدم نفسها دائماً كوسيط محايد نسبياً ،يسعى إلى حلول سياسية مستدامة بدلاً من الحلول العسكرية قصيرة الأمد.
في سياق المفاوضات الأمريكية-الإيرانية ، كانت مصر ستعتمد على نفس النهج الهادئ والرصين الذي اتبعته في ملفات أخرى، حيث تحول الخلافات الكبرى إلى نقاط تفاوضية قابلة للتدرج. هذا النهج يعكس الإيديولوجية السياسية المصرية التي ترى في الدبلوماسية أداة للحفاظ على السلام وليس مجرد وسيلة لكسب نقاط سياسية.
الخبرة المصرية في تقريب وجهات النظر تأتي من فهم عميق لطبيعة النزاعات الإقليمية ، حيث تكون المصالح الأمنية والاقتصادية أكثر أهمية من الشعارات الأيديولوجية. فلذلك ، لو تولت مصر الوساطة ، لكانت ركزت على بناء جسور ثقة تدريجية بين الطرفين ، مع الحفاظ على خطوط حمراء واضحة تحمي المصالح العربية والمصرية.
ويظل السؤال الأكبر مطروحاً : هل ستتحرك القاهرة الآن ، بعد ما حدث من فشل إسلام آباد ، لتقدم نفسها كالوسيط الطبيعي الوحيد القادر على إحداث الاختراق في العلاقات الأمريكية-الإيرانية؟ الإجابة لا تكمن في الشعارات ، بل في الفعل الاستراتيجي الهادئ الذي طالما ميز الدبلوماسية المصرية عبر العصور. المنطقة تنتظر ، والتاريخ يراقب ، والكرة الآن في ملعب القاهرة تماماً.
طارق غريب – مصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى