رضا النادي يكتب سُلطة “التسليم”: لماذا تتعقّد الأمور كلما حاولنا إحكام قبضتنا

سُلطة “التسليم”: لماذا تتعقّد الأمور كلما حاولنا إحكام قبضتنا
بقلم…رضا النادي
تمر على الإنسان لحظات يشعر فيها أن الأبواب قد أُوصدت في وجهه دفعة واحدة، وأن كل الخيوط التي كان يمسكها ببراعة قد أفلتت من بين أصابعه. في تلك اللحظة التي تصفها العامية المصرية بأنها “معقربة”، يبدأ صراع داخلي مرير؛ لماذا لا تسير الأمور كما خططت؟ وأين الخطأ الذي ارتكبته في حساباتي؟
الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن هذا الضيق ليس حائطاً سُدّاً، بل هو **”درس التجريد”**. هو دعوة إلهية لتتوقف عن الدوران المرهق حول نفسك، وتدرك أنك لست مركز الكون، بل أنت عبدٌ في ملكوت ربٍ يدبر الأمر من فوق سبع سماوات.
وهم السيطرة.. “ليس لك من الأمر شيء”**
نحن نعيش في ثقافة تقدس “الإدارة” و”التخطيط”، حتى خُيل إلينا أن نجاحاتنا هي محض مجهودنا الشخصي. لكن الله، برحمته، يعقد لنا المسارات أحياناً ليذكرنا بالحقيقة الكبرى: **«لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ»**.
إن إدراك أنك لا تملك من النتائج شيئاً هو قمة الراحة النفسية. فالمسؤولية الملقاة على عاتقك هي “السعي” فقط، أما “الوصول” فهو قرار إلهي. عندما تفهم أنك لم تكن يوماً “المسيطر” الحقيقي، سيسقط عن كاهلك جبل من الهموم التي لا تملك حلها أصلاً.
قواعد اللعبة.. الجيم ليس ملكك!**
إن النجاح الذي حققته، والستر الذي يغلف حياتك، والتوفيق الذي صاحب خطواتك السابقة، لم يكن بذكائك الفذ أو تخطيطك العبقري وحده.
الحقيقة المجرّدة:كل ما تمر به هو فضلٌ منه، وسترٌ غطى عيوبك، وإذنٌ منه بالعبور.
>
حين تتعقّد الأمور، الله يريدك أن تنظر إلى الوراء لترى كم مرة نجوت دون تدبير منك، وكم مرة فُتحت لك أبواب لم تطرقها أصلاً. هو يريدك أن تعترف بفقرك إليه، ليمدك من غناه، وأن تدرك أن “الملعب” ملكه والقواعد قواعده.
حلوله لا حلولك.. خطته لا خطتك**
المشكلة دائماً تبدأ عندما نصرّ على أن تمر الأمور من “ثقب الإبرة” الذي اخترناه نحن. نريد الوظيفة الفلانية، في الوقت الفلاني، بالطريقة الفلانية. وعندما يغلق الله هذا الباب، نظن أننا ضِعنا، بينما الحقيقة أن الله «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»
اليسر قد يكمن في منع ما كنت تظنه خيراً، أو في تأخير ما كنت تظنه ملحاً. التسليم يعني أن تؤمن بأن “خطة الله” لك أفضل من “أمنيتك” لنفسك، لأنه يرى المنتهى وأنت لا ترى إلا البداية.
لحظة التنوير.. حين ينتهي الدرس**
لماذا تنفرج الأزمة فجأة بمجرد أن نقول “يا رب سلمت”؟
لأن الغرض من البلاء قد تحقق. الغرض لم يكن أبداً تعذيبك أو إيقاف حياتك، بل كان “الخضوع”
حين يستقر الإدراك في قلبك أنك لست “المدبر”.
حين يتوقف عقلك عن “التحليل المفرط” و”التفكير المرهق”.
حين تفوض الأمر لصاحب الأمر بيقين تام.
عندها فقط، تنحل العقد في لحظة، وتتفتح الأبواب بسلاسة مذهلة. لا لأن الظروف تغيرت بمعجزة مادية، بل لأنك أنت الذي تغيرت من الداخل، فأصبحت أهلاً لاستقبال فضل الله دون أن يسرقك الغرور أو يقتلك القلق.
خلاصة القول: لا تبالغ في التفكير، ولا تحاول فك العقد بيدك وحدها. اترك تدبير “الجيم” لصاحبه، وامشِ في ظلال خطته؛ فالله لا يعقدها عليك إلا ليجبرك على الراحة في كنف تدبيره. كن له كما يريد، وسيكون لك فوق ما تريد.



