سُلطة الرماد: عن الذين قهرهم الظلمُ قبل أن يقتلهم اليأس!
سُلطة الرماد

ثمة جرحٌ لا يراه العابرون، جرحٌ يسببه “الإرهاب النفسي” المنظم الذي يُمارس في دهاليز المكاتب وغرف القرار. إن ما نُسميه “القهر المعنوي” ليس مجرد خلاف عابر، بل هو عملية “اغتيال معنوي” مكتملة الأركان، تستهدف تجريد الإنسان من آدميته حتى يغدو ظلاً منكسراً يبحث عن مخرجٍ أخير من المشهد. لقد رأينا في فاجعة “فرانس تليكوم” كيف تحولت “إستراتيجيات الإدارة” إلى مقصلة حقيقية، حيث يُدفع المبدعون لليأس عبر العزلة والتشكيك في النزاهة، مما يثبت أن القهر قد يكون قراراً مؤسسياً بدم بارد.
لكن، من وسط هذا الركام، يُكتب “دستور الكبرياء”. السيادة الحقيقية لا تأتي من الصراخ أو ممارسة التسلط النرجسي، بل من تلك “الهيبة الصامتة” التي يمتلكها القائد الذي يعرف متى يحرق الجسور خلفه. إحراق الجسور ليس غضباً، بل هو “القرار الأنبل” لحماية وقار الروح من عقليات سامة ترى في العدل ضعفاً وفي الترفع عجزاً. إن القائد هو من يجلس أمام رقعة شطرنج الحياة، يراقب انهيار “البيوت الورقية” للظالمين من حوله، مكتفياً ببروده القاتل ويقينه بأن “السيادة أثر، وليست ضجيجاً”.
إن ضريبة الرقي هي “عزلة الملوك”؛ أن تقف وحيداً كمنارة فوق جرف صخري، لا تبحث عن الضوء بل تكون أنت مصدره لكل التائهين. الصمود النفسي هو “البوصلة” التي تمنع الروح من الانطفاء في زمن الوجوه المستعارة.
نحن لا نرحل لأننا هُزمنا، بل نرحل لأننا استعدنا سيادتنا على أنفسنا، وأغلقنا أبوابنا بـ “قفل الكرامة” الذي لا يملك مفتاحه إلا الأحرار. اتركوا لهم الضجيج والرماد، وانطلقوا نحو أفق لا يطاله إلا من ملك شجاعة البدء من الصفر، بعزة نفس تلامس عنان السماء.
د. محمود عبد البارى
استشارى نفسي ومدرب معتمد

