ما عاد الحوار بحثًا عن الحقيقة… بل بحثًا عن منتصر

مقال اجتماعي

بقلم د/ريهام زكي 

لم تعد المشكلة اليوم في اختلاف الآراء… بل في أن الناس لم تعد ترى الاختلاف “اختلافًا” أصلًا.

أصبح أي رأي جديد معركة، أي فكرة غير مألوفة تهديدًا، وأي إنسان يتكلم خارج القطيع مشروعَ إدانة كاملة.

لم نعد نسأل: “هل ما يقوله صحيح؟” بل أصبح السؤال: “كيف نهزمه؟ كيف نُسقطه؟ كيف نجعله يبدو غبيًا، خطيرًا، أو سيئًا؟”

ولهذا اختفى الحوار الحقيقي تقريبًا، وحلّت مكانه حروب نفسية متنكرة في شكل نقاشات.

تدخل لتتكلم عن فكرة… فتجد أن الناس لا تناقش الفكرة أصلًا، بل يفتشون في نيتك، في أخطائك القديمة، في طريقة كلامك، في زلاتك، في أي شيء يمكن استخدامه لتحويلك من “إنسان لديه رأي” إلى “شخص يجب إسقاطه”.

وكأن الاعتراف بأن شخصًا مختلفًا قد يكون لديه جزء من الحقيقة… أصبح أمرًا لا يُحتمل نفسيًا.

لهذا ترى كثيرًا من النقاشات اليوم لا تنتهي بفهم أعمق… بل بكراهية أعمق.

كل طرف يدخل وهو لا يريد أن يفهم، بل يريد فقط ألا يخسر.

ولهذا لا يستمع أحد.

الجميع ينتظر دوره في الرد، في السخرية، في الهجوم، في جمع الإعجابات، في كسب المعركة العلنية، حتى لو خسر الحقيقة نفسها.

أصبحنا نعيش في زمن يُكافأ فيه الصوت الأعلى أكثر من العقل الأهدأ.

زمن إذا قلت فيه فكرة جديدة، بدل أن يناقشها الناس… يبدأون أولًا بمحاولة تشويهك أنت.

من أنت؟ ما نواياك؟ لماذا قلت هذا؟ لمن تعمل؟ ما أخطاؤك؟

وكأن الفكرة لا يمكن الرد عليها إلا بإعدام صاحبها معنويًا.

وهذا لا يحدث لأن الناس قوية فكريًا كما يبدو… بل لأن كثيرًا من البشر أصبحت هوياتهم هشة إلى درجة أن أي اختلاف يشعرهم بالخطر.

بعض الناس لا يناقشون لأنهم يبحثون عن الحقيقة، بل لأنهم يدافعون عن صورتهم الداخلية.

إذا اقتنعوا بأنك قد تكون محقًا، فهم يشعرون لا شعوريًا أنهم خسروا شيئًا من أنفسهم.

ولهذا يتحول الحوار عندهم إلى رد فعل دفاعي: صوت مرتفع، سخرية، استهزاء، تشويه، عداء مبالغ فيه، أو محاولة تحويلك إلى “شخص سيئ” بدل الرد على ما تقوله.

لأن تحطيم الشخص… أسهل من مواجهة الفكرة.

والكارثة أن هذا المناخ يقتل التفكير ببطء.

فالإنسان حين يرى أن كل فكرة قد تتحول إلى محاكمة جماعية، سيتوقف عن قول ما يفكر فيه حقًا.

سيختار الصمت، أو التكرار، أو الكلام الآمن فقط.

وهكذا تموت الأفكار الجديدة قبل أن تولد، ليس لأنها خاطئة دائمًا… بل لأن الناس أصبحت تخاف النقاش أكثر مما تحب الحقيقة.

مع أن المجتمعات لا تتطور أبدًا بالصوت الواحد، ولا تنضج بالعقول المتشابهة، ولا تقترب من الحقيقة عبر التخويف والإلغاء.

الفكرة لا تُهزم بالصراخ، ولا بالسخرية، ولا بتحويل صاحبها إلى شيطان.

الفكرة تُهزم بفكرة أقوى.

أما حين يصبح الهدف من كل حوار هو الانتصار النفسي، لا الفهم… فالجميع يخسر، حتى المنتصر نفسه.

لأن الإنسان الذي يحوّل كل اختلاف إلى حرب… لن يعيش أبدًا في سلام حقيقي مع العالم، ولا مع نفسه.

وفي النهاية…

أخطر ما وصلنا إليه، أن الناس لم تعد تخاف من الخطأ… بل أصبحت تخاف من التفكير بصوت مرتفع.

أصبح الإنسان قبل أن يتكلم لا يسأل نفسه: “هل فكرتي صحيحة؟” بل يسأل: “هل سأنجو إذا قلتها؟”

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.

حين يتحول المجتمع من مكان تُناقش فيه الأفكار… إلى مكان يُعاقَب فيه أصحابها.

حين يصبح الصمت أكثر أمانًا من الصدق، والتكرار أكثر راحة من التفكير، والهجوم أسهل من الفهم.

فالمشكلة ليست أن البشر اختلفوا… بل أنهم فقدوا القدرة على الاختلاف دون كراهية.

وما يقتل الحقيقة غالبًا… ليس وجود الباطل، بل خوف الناس من دفع ثمن قول ما يرونه حقًا.

لذلك تذكّر دائمًا:

حين تعجز عن هزيمة الفكرة… لا تحاول قتل صاحبها.

لأن أكثر المجتمعات ظلامًا… ليست تلك التي يكثر فيها الخطأ، بل تلك التي يخاف فيها الناس من الكلام أصلًا.

بقلم: د/ ريهام زكى

أخصائي نفسي

أخصائي إرشاد نفسي

أخصائي علاج معرفى سلوكى

ومدرب معتمد بالاتحاد الدولى للمدربين العرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى