أزمة الشعر بقلم د. شيرين شيحه

(أزمة الشعر)
د. شيرين شيحه
“أزمة الشعر” هل هي
أزمة نص..
أم أزمة في التّلقي.. أم
أنها أزمة عصر كامل تغير فيه كلُّ شيء
حتى المبادئ والأخلاق وربّما المشاعر أيضا ؟..
سأترك نقطة “النص” للنهاية وابدأ من الأخير وأقول:
نعم، لم يعد هناك وقت في هذا العصر الذي يُسابقنا ونسابقه ليل نهار لقراءة متذوقة ومتأنية من قارئ
أنهكه يومه ،ولم يسمح له إلا بالتمرير السريع، أو قراءة محتوى قصير بشكل خاطف..
جزء آخر من الأزمة هو “القارئ” نفسه الذي لم يعد يملك القدرة على تذوق الشعر، وانصرف عنه لأسباب ربّما نابعة منه أو من خارجه ..
إنّه أحد أركان الأزمة لا أنكر .. ولكني أراه الضلع الأضعف والأكثر ظُلما في هذه الثلاثية..
أمّا الجزء الأكبر من الأزمة فأراه داخل بعض النصوص الشعرية الحديثة نفسها..
لن أتحدث في هذا السياق عن “الأشكال الأدبية الجديدة” التي تم إدراجها تحت مُسمّى الشعر،
ولكن حديثي يقتصر على الشكل المتفق عليه للقصيدة (الملتزم بالوزن والقافية)..
في مرحلة من مراحل تطور الشعر الحديث، علا فيها صوت النقاد موجهين الشعراء بالبعد عن “التبسيط” في القصيدة ،
فوقع الشعراء في فخ الخلط بين مفهومي “البساطة الشعرية” التي تحمل الشاعرية الحقة ولكنها تستطيع إيصالها إلى القارئ العادي بطريقة سهلة ، وبين “التبسيط” المخل الذي يُفقد النص قيمته، وصار “التعقيد” عند البعض(شعراء ونقاد) علامة لجودة النص ، بينما أصبح” الوضوح” تهمة تُلصق بالنصوص التي تصل إلى الناس بسهولة..
وهذا ما تسبب في تغير شكل العلاقة بين الشعر والمتلقي أو بالأحرى في “فجوة بين النص والقارئ”
كثير من النصوص الحديثة تتعامل مع هذا الغموض كأنه” عمق”بينما العمق الحقيقي شيء آخر تمامًا..
ماء القصائد مثل ماء النهر.. صاف وعميق ،وكلما صفا رأيت ملامحك فيه بوضوح وإذا أردت الوصول إلى عمقه فعليك ان تغوص فيه..
هكذا يكون حال المتلقي مع القصيدة..
ولهذا نشأت الفجوة:
القارئ يقول: “هذا ليس شعرًا” لأنه لم يستطع رؤية نفسه فيه.. ما يُعبّر عن أحلامه وآلامه وطموحاته.. عن همه الإنساني الوجودي..
والشاعر يقول: الجمهور لم يعد يفهم الشعر!
وفي سراب البحث عن الشعر العظيم “المبهم” أغرقت الشاعر ذاتيته التي يُحمّلها لكل نص يكتبه وتاه عن جمهوره الذي بدأ ينسحب بهدوء نحو الأغنية، والرواية، والدراما، لأنها ما زالت تمنحه شعور “المشاركة الإنسانية”..
الشعر العظيم ليس الشعر المبهم الغامض الذي يحمل كثير من الدلالات والإشارات و يستعرض ثقافة “نخبوية” يتوه معها القارئ وتُشعره انه أمام اختبار قدرات لغوية وثقافية عليه أن يجتازه ليفهم النص..
الشعر الحقيقي هو الذي يستطيع استخدام قدرات اللغة في الكشف عن مكنون النفس وعن العالم بطريقة لم ترها من قبل..
القصيدة العظيمة تُحيّرك وتُدهشك.. لكنها في الوقت نفسه تستطيع أن تدخلك بسهولة دخول الهواء الذي تتنفسه..
ولهذا فإن أخطر ما فعله هوس “اتهام التبسيط” أنه جعل بعض الشعراء يبتعدون عن “الإنسان البسيط” خوفًا من أحكام النقد..
في نفس الوقت الذي اتجه فيه الشعراء إلى الكتابة داخل “دائرة مغلقة”
لا يشغل الشاعر فيها إلا سؤال واحد:هل سينال ما أكتبه إعجاب النقاد والشعراء الآخرين؟
الأمسيات الشعرية المغلقة التي لا يحضرها إلا الشعراء والنقاد تشبه في بعض الأحيان غرفة مرايا.. كل شخص يرى انعكاس لغته عند الآخر،
المشكلة ليست في وجود هذه الدوائر بحد ذاتها، فهي طبيعية في أي فن..
المشكلة تبدأ حين تصبح هي “العالم الوحيد” الذي يكتب له الشاعر..
والأخطر أن الشاعر قد يعتاد التصفيق المتبادل داخل الدائرة الصغيرة، فيتوهم أن المشكلة دائمًا في “ذائقة الجمهور” لا في احتمالية أن النص نفسه فقد هدفه من الوجود..
النقد قطعاً مهم والنقاد هم المقيّمون والمقوّمون للكتابات الأدبية..
فالشعر والنقد صنوان لا يستغني أحدهما عن الآخر.. ولكن
الشعر في النهاية لا يعيش بالنقد وحده، بل يعيش حين يخرج إلى الناس ويزرع نفسه في قلوبهم على اختلاف درجات تلقّيهم له : العامل، والطالب، والعاشق، والأم، والغريب، والحزين …
في هذه الحالة يقترب الشاعر من الجمهور..
حين يتذكر أن الشعر في الأصل لم يولد ليكلم نفسه داخل قاعة أو ينتظر تصفيق نقد… بل وُلد من حاجة إنسانية فطرية للتعبير..
يقترب حين يحترم لغة الناس (ولا أقصد أن تنحط لغته لتواكب ، ولكن ان تنزل لهم لتعلو بهم)
ولذلك اقول :
يا رفاق الحرف إن أعظم الأدب هو ما بقي حيًا خارج القاعات المغلقة علي الشعراء وحدهم دون الناس ..
ليس مطلوبًا من الشاعر أن يسطّح تجربته، ولا أن يتخلى عن رموزه وصوره وتعقيده ” المطلوب أحيانًا” لكن أن يكون “الإنسان” هو محور نصه..
ان يسأل نفسه: كيف أقول ما يشعر به البشر؟
ولهذا فإن أعظم الشعراء لم يكونوا أبسط الناس لغة فقط..
ولكن أصدقهم إصغاءً وترجمة للهم الإنساني..
أحمد فؤاد نجم مثلًا كان شعرا يتحرك بين الناس..
نزار قباني، رغم ما قيل عن “بساطته” أدرك أن الوصول إلى قلب المتلقي بلغة بسيطة ليس تهمة..
يا رفاق:
نقطة البداية أن تواجهوا أنفسكم وتعترفوا لها بالحقيقة.. لماذا تكتبون الشعر ؟
هل تكتبون قصائدكم لوجه الشعر ،أم للأمسيات المغلقة عليكم وحدكم.. للنقاد.. للجوائز والمناصب والحصول على لقب “الشاعر الكبير” والشهرة الزائفة..
الإجابة ستحدد الوجهة وساعتها ستجدون طريقكم إلى الجمهور،
ومن يؤمن بقضية يدافع عنها ولو كلفته التضحية بحياته.. لو آمنتم بقيمة ما وضعه الله فيكم من موهبة ستدافعون عنها..
يد واحدة لن تفعل شيئا.. وحّدوا جهودكم،— بعد “تصفية أنفسكم”—
ولو تخلّى النقد عن وظيفته فلا تتبعوه وقوموا بضبط بوصلاتكم على الطريق الصحيح..
وإن قصّرت المؤسسات الثقافية” ذات القصور” في الربط بينكم وبين الناس، فلتقوموا بفعل ذلك بأنفسكم ولو بجهودكم الفردية.. ولو أخلصتم النية لن تعدموا الوسائل..
يا من تؤمنون بالشعر.. لا يكن كلّ همّكم رأي النقد والجوائز ،
بئسما يأمركم به إيمانكم “إن كنتم مؤمنين”
.. والله من وراء القصد..
د. شيرين شيحه






