نسرين شوقى تكتب: الترند وصناعة البطل المؤقت

في زمنٍ لم تعد فيه الشهرة تحتاج سنواتٍ من الاجتهاد، أصبح من الممكن أن يتحول شخصٌ مجهول إلى “نجم” خلال ساعات، فقط لأن اسمه تصدّر الترند، أو لأن مقطعًا قصيرًا له اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي.
المشهد يتكرر يوميًا؛ بطل جديد يولد صباحًا، والجمهور يصفق له بحماس، ثم يختفي مساءً ليحل محله بطل آخر، وكأن الذاكرة العامة لم تعد تحتفظ إلا بما هو “رائج” في اللحظة نفسها
قديمًا، كانت النجومية رحلة طويلة الفنان أو الكاتب أو الإعلامي كان يبني مكانته عامًا بعد عام، عبر الموهبة والثقافة والخبرة والتأثير الحقيقي. كانت القوة الناعمة تُصنع ببطء، لكنها تبقى أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة؛ السرعة أصبحت أهم من العمق، والانتشار أحيانًا أقوى من القيمة نفسها.
السوشيال ميديا لم تمنح الناس فقط مساحة للتعبير، بل منحتها أيضًا قدرة هائلة على صناعة الأبطال… ثم إسقاطهم بالسرعة نفسها.
فالشخص الذي يتحول إلى “أيقونة” بين ليلة وضحاها، قد يجد نفسه بعد أيام مادةً للسخرية أو النسيان، لأن الجمهور انتقل ببساطة إلى ترند جديد أكثر إثارة.
والأخطر من ذلك، أن فكرة “البطل” نفسها أصبحت مرتبطة بالضجة لا بالإنجاز.
لم يعد السؤال: ماذا قدم هذا الشخص؟
بل: كم عدد المشاهدات التي حققها؟
وأصبحنا أحيانًا أمام مشهد غريب؛ شخصيات تتصدر المشهد العام بلا مشروع حقيقي، بينما أصحاب الخبرة والمعرفة يقفون بعيدًا عن الضوء لأنهم لا يجيدون لعبة الترند.
هذه الحالة لا تخص الفن أو الإعلام فقط، بل أصبحت جزءًا من الوعي العام.
حتى النقاشات المجتمعية والسياسية والثقافية باتت تخضع لمنطق السرعة والانفعال.
فالمحتوى القصير والسريع يربح غالبًا، أما الفكرة العميقة فتحتاج وقتًا لم يعد كثيرون مستعدين لمنحه.
وربما هنا تظهر أزمة حقيقية:
هل ما زلنا نصنع رموزًا حقيقية تعيش في وجدان الناس؟ أم أننا دخلنا عصر “الاستهلاك البشري”، حيث نصنع الأشخاص كما نستهلك المحتوى… بسرعة، ثم ننتقل لغيرهم بسرعة أكبر؟
لا أحد ينكر أن وسائل التواصل منحت الفرصة لأصوات جديدة تستحق الظهور، وكسرت احتكار الشهرة التقليدية، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح “الانتشار” هدفًا في حد ذاته، حتى لو كان بلا مضمون.
فالترند بطبيعته لحظة مؤقتة، أما التأثير الحقيقي فشيء آخر تمامًا.
الترند يلفت الانتباه، لكن القيمة وحدها هي التي تبقى.
ولهذا ستظل الأسماء الحقيقية قادرة على البقاء، مهما تغيّرت المنصات وتبدلت طرق الشهرة، لأن الزمن قد يصنع ضجة مؤقتة… لكنه لا يمنح الخلود إلا لمن يستحقه



