نادية هارون تكتب: نقطة… ومن أول السطر

في غمرة تفكيري بأمر خاص جداً، وجدتني أقول لنفسي فجأة: “نقطة… ومن أول السطر”، التقطتُ العبارة، وتمعنتُ في صداها طويلا، نظرتُ حولي، داخلياً وخارجياً، وأخذني التأمل من شأني الصغير إلى فضاء أوسع، تساءلتُ: كيف تُدار الدول اليوم؟ وكيف تستخدم الحكومات والأنظمة هذه الجملة ذاتها؟ حينها، أدركتُ المفارقة الكبرى.

 

في حياة الأفراد، تكون النجاة أحياناً في شجاعة الإعتراف بالخطأ والجرأة على البدء من جديد، أما في السياسة، فالجميع يعشقون عبارة “من أول السطر”، ولكن بشرط واحد، ألا يعترف أحد كيف وصلنا إلى نهاية السطر الأول أصلا! تتبدل التحالفات، وتتغير الوجوه، وتُرفع شعارات برّاقة جديدة فوق نفس الجدران المتصدعة، بينما المواطن وحده يبقى ثابتاً في مكانه، يدفع ثمن كل نسخة “معدّلة” من الحكاية.

 

إن منطقتنا اليوم تقف بكامل ثقلها أمام هذه العبارة، كأن السنوات العجاف الماضية كانت صفحة مليئة بالشطب، والتجريب، والفواتير الثقيلة التي دُفعت من دماء الشعوب وأعصابها ومدخراتها، والآن، يستدير الجميع نحو سطر جديد، يدّعون البداية، لكنهم يمسكون بنفس القلم، ويحملون نفس الأخطاء القديمة، ولكن بوجوه وشعارات مختلفة.

 

على المستوى الإقليمي، يبدو المشهد وكأنه محكوم بلعنة “إعادة تدوير الأزمات”، فلا حرب تُحسم حتى نهايتها لتفرز واقعا مستقرا، ولا سلام يكتمل ليزرع طمأنينة مستدامة، ولا مشروع وطني يُترك لينضج بعيدا عن الإستقطاب الدولي والإقليمي، تتبدل المواقف الدولية، وتتغير العلاقات العربية-العربية في إنعطافات حادة، لكن هذا التحول لا يبدو مراجعة حقيقية للأخطاء، بقدر ما هو “تغيير ديكور” فرضته موازين القوى، وتأجيل للمواجهات بانتظار هبوب رياح جديدة.

 

أما في الداخل، فقد تحولت الدول إلى كيانات تُدار بمنطق “إطفاء الحرائق” لا بمنطق البناء، غابت الرؤى الإستراتيجية الكبرى، وحلّت محلها مسكنات موضعية لتفادي الإنفجار اللحظي، وفي خضم هذا التخبط، تحولت الشعارات الكبرى إلى أعباء ثقيلة على كاهل المواطن البسيط، الذي يجد نفسه اليوم محاصراً بين إعلام يبيع الخوف ليل نهار ليضمن خنوعه، وسياسة تبيع الوهم لتبرر وجودها، وإقتصاد مأزوم يطالب الناس بتضحيات وتقشف بلا نهاية وبلا أفق.

 

لقد تحول الصبر، الذي كان يوماً فضيلة، إلى خطة إقتصادية رسمية تفرضها الحكومات لتغطية عجزها، وهنا يبرز السؤال الأهم: هل “من أول السطر” تعني مراجعة حقيقية وعقداً إجتماعياً جديداً يطمح إليه الناس بعد إنهاك طويل؟ أم أنها مجرد مناورة سياسية لربح الوقت؟

 

الحقيقة المقلقة هي أن الصفحة الجديدة لا تصبح بيضاء بمجرد قلبها، بل بتطهير القلم الذي يكتبها، إن إصرار النخب على كتابة سطر جديد بنفس الحبر القديم لن ينتج سوى نسخة مشوهة أخرى من نفس الكتاب، لن تكون هناك بداية حقيقية ما لم يجرؤ صانع القرار على قراءة “السطر الأول” بتمعن، ليفهم كيف هُدرت الطاقات، وكيف تحولت الأوطان إلى ساحات تجريب.

 

في النهاية أقول:  إن الأمل في غدٍ أفضل يظل مشروعاً، لكنه يتطلب شجاعة المواجهة لا مهارة الإلتفاف والمناورة، فلو أردنا حقاً بداية جديدة نظيفة، لكان علينا أولاً أن نتأمل بذكاء في سطرنا القديم، ونفكك طلاسم خطايانا فيه، ونعلم يقيناً كيف سيكون شكل السطر الجديد وملامحه، قبل أن نسارع بوضع النقطة والقول باستخفاف:  نقطة .. ومن أول السطر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى