الموقع الحالى تحديد موقعك قبل أن تبدأ الرحلة
سلسلة مقالات إحداثيات النمو
الموقع الحالي
(تحديد موقعك قبل أن تبدأ الرحلة)
سلسلة مقالات إحداثيات النمو — المقال الأول.
بقلم د/سمر رضا
لا تنطلق أيّ رحلة من العدم. تنطلق دائمًا من مكان — حتى لو لم تعرف اسمه بعد.
في عام ١٨٨٤، اتفق العالم على أن خط الزوال الصفري سيمرّ من مرصد غرينتش. لم يكن موجودًا في الطبيعة — بل اختاره البشر ليكون نقطة المرجع التي من عندها تُحسب كل المسافات وتُحدَّد كل المواقع.
وأنت — هل حددت خط زوالك الصفري بعد؟
أكبر مشكلة في رحلة التطوير الشخصي ليست غياب الهدف ولا ضعف الإرادة. المشكلة الحقيقية أبسط وأعمق: كثيرون يبدأون رحلة النمو دون أن يعرفوا من أين يقفون. يرسمون خرائط لأرض لم يمشوا عليها بعد.
الخريطة التي لا تعرف عليها موقعك لا تُساوي الورق الذي طُبعت عليه.
الجغرافيون يعرفون حقيقة صارمة: قبل أن تحدد وجهتك، عليك أن تعرف إحداثياتك الحالية بدقة. لا تقريبًا، لا حدسًا — بدقة. فكيف تصنع أنت إحداثياتك الشخصية؟
الخطوات الأربع لتحديد موقعك الحقيقي:
١ — المسح الميداني: رأيت نفسك كما هي، لا كما تتمنى
خصص ساعة كاملة لتكتب على ورقة بيضاء: أين أنا الآن؟ في علاقاتي، في عملي، في صحتي، في علاقتي مع نفسي. لا تجمّل ولا تُصغّر. الجغرافي الذي يكذب على خريطته يُضيع القوافل. كن الراصد الأمين لأرضك الداخلية.
٢ — قياس الارتفاع والانخفاض: اعرف تضاريسك
لكل إنسان قمم ووديان. ما الذي تفعله بسهولة ويمنحك طاقة؟ — تلك قممك. وما الذي يستنزفك ويُشعرك بالوحل؟ — تلك وديانك. التضاريس ليست عيوبًا، هي حقائق جغرافية تحتاج إلى فهم لا حرب.
٣ — تحديد المناخ: أي بيئة تعيش فيها؟
المناخ الداخلي هو مزيج أفكارك المتكررة وردود أفعالك الغالبة وطريقة حديثك مع نفسك. هل مناخك يُنمّي أم يُجفف؟ دافئ يُخصب أم قاسٍ يُثبّط؟ المناخ يمكن تغييره — لكن فقط بعد الاعتراف به.
٤ — تسجيل الإحداثيات: اكتب ما وجدت
الخريطة التي في رأسك وحده تضيع. اكتب إحداثياتك الأربع: ما تمتلك، وما يُعيقك، وما تريد، وما يُخيفك. هذه الجمل الأربع ستكون نقطة الصفر التي تنطلق منها كل خطوة قادمة.
حين تعرف موقعك بوضوح، يحدث شيء غريب وجميل: تتوقف عن مقارنة مسارك بمسار غيرك. لأنك تُدرك أن كل شخص ينطلق من إحداثيات مختلفة تمامًا، وأن السؤال الصحيح لم يكن يومًا “من سبقني؟” — بل “كم قطعتُ من المسافة بين أمسي واليوم؟”
النمو الحقيقي لا يقاس بالمقارنة مع الآخرين، بل يُقاس بالإزاحة — بالمسافة التي قطعتها بين موقعك الأمس وموقعك اليوم على خريطتك أنت.
✦ كلمة إليك
أكثر ما يؤلمني أن أرى أشخاصًا يركضون بلا توقف، يقرأون كل الكتب ويتابعون كل المحتوى — لكنهم في داخلهم لا يزالون ضائعين. ليس لأنهم كسالى أو ضعاف، بل لأن أحدًا لم يخبرهم أن الخطوة الأولى ليست الحركة — بل الوقوف لحظة وسؤال: “أنا فين؟”
هذه السلسلة كُتبت لك، أيها الشخص الذي يريد أن يبني، لكنه يستحق أولًا أن يعرف أرضه.
خلاصة القول:
النجوم لم تتحرك، والأرض لم تتغير — لكن الملاح الذي عرف موقعه وصل.
شجاعتك على الوقوف والسؤال هي أول خطوة في كل رحلة كبرى.
انتهى الأمر…..

