المقصلة الباردة: حين يصبح “الصمت” جريمة قتل مع سبق الإصرار!

المقصلة الباردة

بقلم د. محمود عبد البارى 
استشارى نفسي ومدرب معتمد

في مجتمعاتنا، تعلمنا منذ الصغر أن نقدس الاستمرار بأي ثمن، وأن نعتبر “السكوت” غاية الحكمة وعلامة من علامات الصبر وقوة التحمل. لكن الحقيقة المرعبة والمسكوت عنها والتي يخشى الكثيرون مواجهتها، هي أن هناك نوعاً من الصمت ليس حكمة أبداً، بل هو “مقصلة نفسية” تُدبح عليها الأرواح والمشاعر بالتدريج؛ إنه صمت البرود، والخذلان، والتجاهل المتعمد داخل العلاقات الإنسانية القريبة التي من المفترض أن تكون مأوى وأماناً.

​أكبر خدعة نعيشها في علاقاتنا هي ظننا أن النهاية تأتي دائماً بالخناقات، والصوت العالي، والصدام المباشر. الحقيقة الصادمة هي أن الخناق والعتاب -مهما كان حاداً- يعني أن هناك طاقة متبقية، وأن هناك رغبة خفية في الإصلاح وأملاً في التغيير. أما الموت الحقيقي والنهائي للعلاقات فيبدأ عندما يحل “الصمت العقابي”؛ ذلك البرود الخبيث والممنهج الذي يمارسه طرف ضد الآخر، فيحرمه من الكلمة، والاهتمام، والشعور بالأمان، ويتركه ليالي طويلة يتخبط في تساؤلاته ويجلد ذاته بحثاً عن ذنب لم يرتكبه. هذا الصمت ليس غياباً للكلام، بل هو حضور طاغٍ للقسوة، وجريمة قتل نفسية مكتملة الأركان تُرتكب بدم بارد، وتحت سقف واحد، وأمام مرأى ومسمع من الجميع دون أن يترك أثراً جرحاً واحداً على الجسد.

​حين يتحول الشريك، أو الصديق، أو القريب إلى “جدار جليدي” لا تهزه دموع، ولا يحركه عتاب، ولا يستفزه وجعك، تصبح التضحية هنا تحت مسمى “الأصول، وتحمل المسؤولية، ومراعاة العشرة” نوعاً من الانتحار البطيء والغباء النفسي. من حق أي إنسان أن يصرخ في لحظة ما ويقول “مش قادر”، ومن حقه تماماً أن يرفض العيش في بيئة سامة تستنزف وقاره الداخلي، وتهدم سلامه النفسي، وتجعله غريباً في بيته. إن إجبار النفس على البقاء في علاقة ميتة إكلينيكياً، فقط لإرضاء نظرة المجتمع، أو للحفاظ على مظاهر اجتماعية جوفاء ومزيفة، هو امتهان صارخ لكرامة الروح التي كرمها الله وسيسألنا عن حمايتها.

​البيوت الحقيقية والعلاقات السوية تُبنى بالمودة والرحمة والاحتواء، لا بالصبر المرير والمهين الذي يحول البشر بالتدريج إلى هياكل عظمية متحركة فاقدة للشغف والحياة. والطرف الذي يستقوي بصمته وبروده، ويستخدم التجاهل كسلاح ليفرض سيطرته أو ليعاقب ويكسّر من معه، هو شخص يمارس سادية نفسية مريضة مغلفة بالهدوء والاتزان المزيف.

​إن العمر لا يمنحنا فرصاً ثانية، والصحة النفسية والبدنية هي رأس المال الأغلى الذي لا يعوضه أحد. إذا لم تكن العلاقات منبعاً مطلقاً للأمان، والسكينة، وملاذاً دافئاً نهرب إليه من قسوة هذا العالم وظلمه، فإن هدمها بشجاعة والرحيل عنها أرحم بآلاف المرات من العيش داخل مقبرة من الصمت الممنهج. فالمركب التي لا تسير في بحر الحياة إلا بدماء القلوب، وحرق الأعصاب، وكسرة النفس.. تغرق أفضل، وألف جحيم للرحيل أرحم من جنة مزيفة نعيش فيها أمواتاً!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى