الرهان الخاسر: متى يصبح التمسك بالعلاقات انتحاراً بطيئاً؟

الرهان الخاسر!

د. محمود عبد البارى
إستشارى نفسي ومدرب معتمد

​أكبر وهم نقع فيه جميعاً هو ظننا أن الحفاظ على العلاقات يحتاج إلى الصبر فقط. تعلمنا منذ الصغر أن الاستمرار فضيلة، وأن تحمل الوجع وعقد المقارنات والتغاضي عن الإهانات دليل على نبل الأصل. لكن الحقيقة المرعبة التي نكتشفها فجأة، هي أن هناك نوعاً من التمسك لا يسمى وفاءً، بل هو انتحار نفسي بطيء نرتكبه في حق أنفسنا بكامل إرادتنا.
​العلاقات الإنسانية السوية بُنيت في الأصل لتكون ملاذاً دافئاً نهرب إليه من قسوة العالم، لا أن تتحول هي نفسها إلى العبء والقسوة. عندما تجد نفسك الطرف الوحيد الذي يحرق أعصابه وصحته ليحافظ على بقاء المركب، وعندما يتحول العتاب اليومي إلى كلام مكرر بلا قيمة، وعندما تضطر لشرح البديهيات لمن يفترض أنه يفهمك، فاعلم تماماً أنك تراهن على سراب. أنت هنا تستنزف عمرك في مكان لن يجني منه قلبك سوى الخذلان.
​البعض يستمر في علاقات ميتة ومؤذية لمجرد أنه استثمر فيها سنوات طويلة من عمره، ويخاف من كلام الناس أو مواجهة البدايات الجديدة. هذا الخوف هو الخدعة الكبرى؛ فالوجع الذي تشعر به عند وضع حد لعلاقة مؤذية والرحيل عنها بشجاعة، أرحم بمليار مرة من النزيف اليومي المستمر لكرامتك وسلامك النفسي تحت سقف واحد أو في مساحة واحدة. العمر أقصر من أن نقضيه في محاولة إصلاح أشخاص يصرون على كسرنا وتشويه أجمل ما فينا.
​الانسحاب النظيف في الوقت المناسب ليس دليلاً على الضعف أو قلة الأصل، بل هو ذروة القوة والنضج؛ إنه اللحظة التي تقرر فيها أن تعيد لروحك وقارها وقيمتها التي أهدرتها مع من لا يستحق. العلاقات التي لا تعطيك الأمان، والتقدير، والسكينة، هي علاقات لا تستحق عناء البقاء. تذكر دائماً أن صحتك النفسية هي رأس مالك الحقيقي والوحيد في هذه الدنيا، وأن الباب الذي يغلق في وجه سلامك الداخلي واستقرارك النفسي، لا يجب أن تضيع عمرك واجفاً أمامه تنتظر أن يفتح.. بل ابْنِ مكانه جداراً وامشِ في طريقك مرفوع الرأس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى