ملحمة الشهادة : حين يروي الأبطال بدمائهم الزكي

كتب / عمر صابر

ملحمة الشهادة: حين يروي الأبطال التراب بدمائهم الزكي

 

في مشهد مهيب يليق بعظماء الرجال، وفي لحظة تختصر معنى الانتماء الحقيقي، ارتقت روحان طاهرتان إلى بارئها، لتضافا إلى سجل الخالدين في جدارية العسكرية المصرية التي لا تُمحى معالمها. إنها لحظة يجتمع فيها الحزن بالفخر، وتتلاقى فيها الدموع مع الابتسامة العزة، حين يدفع الأبناء أغلى ما يملكون ثمناً للوطن

 

دماء تروي تراب الحدود

 

على الحدود الجنوبية للبلاد، حيث تُخطّ الحدود الفاصلة بين الأمن والتهديد، كان الموعد مع القدر. هناك، وفي بقعة تعني لمصر أكثر من مجرد خط على الخريطة، وقف العميد أحمد سمير عبد الوهاب والمقدم أحمد عادل كصخرتين تتحديان العاصفة. لم يكونا مجرد ضابطين يؤديان واجباً، بل كانا حارسين أمينين لسياج الوطن، يعلمان أن كل شبر من هذه الأرض قد رُوي بدماء الأجداد، وأنه يستحق أن تُروى ترابه اليوم بدماء الأحفاد.

 

في مواجهة شرسة مع عناصر إجرامية مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود، لم يتردد البطلان لحظة واحدة. لم يسألا عن حجم الخطر، ولم يحسبا عدد الرصاصات، بل كان همّهما الوحيد أن يظل العلم المصري مرفوعاً عالياً، وأن تظل الحدود عصية على كل من تسوّل له نفسه المساس بقدسية هذه الأرض.

 

حين يصير الجسد درعاً للوطن

 

لقد قدّم الشهيدان أرواحهما الزكية في ليلة لم تغب شمسها عن قلوب المصريين، وكتبا بدمائهما فصلاً جديداً في كتاب الفداء المصري. ليس غريباً على أبناء القوات المسلحة أن يقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله ثم في سبيل الوطن، ولكن الغريب حقاً هو ذلك الإخلاص النادر الذي يجعل الموت في ميدان الشرف أمنية، والبقاء مع الجبناء عاراً.

 

العميد أحمد سمير والمقدم أحمد عادل لم يكونا مجرد اسمين في نشرة أخبار، بل هما نموذجان لكل أب وأم قدمّا أغلى ما لديهما للوطن. هما تلك اللحظة التي تجعل كل المصريين يتساءلون: كم من الأبطال ينامون على تراب الحدود ليصحو الوطن آمناً في سريره؟

 

رسالة خالدة من فوق الرمال

 

في هذه الملحمة الجديدة، يرسل الشهيدان رسالة صامتة ولكنها مدوية إلى كل من تسول له نفسه المساس بأمن مصر: أن هذه البلاد ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي عقيدة تُحفظ بالدماء، وأن أبناءها لا يعرفون معنى الاستسلام. إنهم يذكروننا بأن الأمن ليس هبة، بل هو ثمن يدفعه أبطال لا نراهم إلا حين يرحلون، ليتركوا خلفهم فراغاً لا تملؤه إلا الذكرى والفخر.

 

وقفة إجلال ودعاء

 

رحم الله الشهيدين رحمة واسعة، وأسكنهما فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وألهم ذويهما وأحباءهما وزملاءهما الصبر والسلوان، فإنهم اليوم في عزاء الوطن كله، وليس في عزاء أسرة واحدة أو مؤسسة واحدة.

 

لكل أم فقدت ابناً، ولكل زوجة فقدت سنداً، ولكل طفل فقد أباه، نقول: هؤلاء هم رجال مصر، وهذه هي تضحياتهم التي تبقى ما بقيت الشمس في كبد السماء. ابكوا إن شئتم، ولكن ابكوا بفخر، لأن دموعكم اليوم تسقط على جبين العزة، وليس على جبين الذل.

 

تحية للحراس الأمناء

 

في الختام، لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة احتراماً لكل أبطال القوات المسلحة المصرية، أولئك الحراس الأمناء الذين يواصلون أداء رسالتهم في كل بقعة من أرض مصر، من سيناء إلى الوادي الجديد، ومن البحر الأحمر إلى البحر المتوسط. إنهم يتناوبون على حراسة حدودنا، فلا يغفلون لحظة، ولا ينامون على وتر، يضحون بلياليهم وأيامهم، وبأرواحهم إن اقتضى الأمر، ليظل هذا الوطن محفوظاً بعين الله ثم بعيونهم

 

إنا لله وإنا إليه راجعون. رحمة الله على الشهيدين، وعزاؤنا في تضحيتهما أن مصر ستبقى شامخة بأبنائها، وأن التاريخ سيسجل لهما أجمل الكلمات، والأجيال القادمة ستتلقى سيرتهما كمنارات تضيء درب العطاء والفداء.

 

المجد والخلود لأبطال مصر الأبرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى