مقال معركة الوعي (2) كيف نحمي عقولنا في زمن التدفق الهائل للمعلومات؟

مقال معركة الوعي (2)
كيف نحمي عقولنا في زمن التدفق الهائل للمعلومات؟
بقلم / مينا قصدي
لم يعد أخطر ما يواجه المجتمعات هو نقص المعلومات بل العكس تماما.
فنحن نعيش عصرا تتدفق فيه الأخبار والآراء والتحليلات بسرعة غير مسبوقة حتى أصبح الإنسان يتلقى في يوم واحد ما كان يتلقاه غيره في شهور أو سنوات.
وبين هذا التدفق الهائل لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة وإنما في القدرة على التمييز بين الحقيقة والادعاء وبين الخبر الموثوق والشائعة وبين الرأي المبني على المعرفة والانفعال اللحظي.
إن معركة الوعي اليوم تبدأ من السؤال قبل التصديق. فليس كل ما ينتشر علي وسائل التواصل صحيحا وليس كل ما ينتشر يستحق أن يصدق وليس كل ما يلقى رواجا يعبر عن الحقيقة. ولذلك أصبح التفكير النقدي والرجوع إلى المصادر الموثوقة والتريث قبل إعادة نشر المعلومات مسؤولية مجتمعية لا تقل أهمية عن أي مسؤولية أخرى.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات الأكثر وعيًا هي الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات لأنها لا تسمح للشائعات أن تقود قراراتها ولا للعاطفة أن تتغلب على العقل. فالوعي لا يعني كثرة المعلومات بل حسن استخدامها، والقدرة على فهمها وربطها بالواقع.
وفي المقابل فإن بناء هذا الوعي مسؤولية مشتركة؛ تبدأ من الأسرة التي تربي أبناءها على الحوار والتفكير وتمر بالمدرسة والجامعة اللتين تغرسان قيم البحث والتحليل، وتمتد إلى الإعلام الذي يتحمل مسؤولية تقديم المعلومة الدقيقة وإلى كل مواطن يختار أن يكون جزءا من نشر الحقيقة لا من تداول الشائعات.
إن الأوطان لا تحتاج فقط إلى العقول المتعلمة بل إلى العقول الواعية فالعلم يمنح الإنسان المعرفة أما الوعي فيمنحه القدرة على توظيف هذه المعرفة في الاتجاه الصحيح.
ومن هنا يصبح الوعي أحد أهم عناصر حماية المجتمع وتعزيز استقراره ودعم مسيرته نحو التنمية.
وفي زمن تتغير فيه الأحداث بسرعة يبقى العقل الواعي هو الحصن الحقيقي. فالكلمة قد تبني ثقة أو تهدمها والخبر قد يطمئن مجتمعًا أو يربكه والقرار الحكيم يبدأ دائما من فهم صحيح للواقع.
ولعل أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة هو الاستثمار في وعي الإنسان
لأن الإنسان الواعي لا يحمي نفسه فقط بل يسهم في حماية أسرته ومجتمعه ووطنه.
فالحقيقة لا تنتصر بكثرة من يرددها بل بوجود من يبحث عنها بعقل واع وضمير مسؤول.






