جريس بالمنوفية.. أصالة التراث الطيني تواكب حراك التنمية المجتمعية

 

تبرز قرية جريس التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية كنموذج فريد للقرية المصرية المنتجة التي نجحت في الموازنة بين الحفاظ على هويتها التراثية العريقة، وبين إطلاق حراك مجتمعي وتنموي لافت تقوده سواعد شبابها الواعي وكوادرها التعليمية والثقافية.

​قلعة الفخار الحية.. تاريخ يصارع البقاء

​ارتبط اسم جريس منذ قرون بعيدة بحرفة صناعة الفخار التقليدي، حتى تحولت إلى قلعة صناعية وفنية تستغل طمي النيل لتشكل منه أدوات الحياة اليومية من أوانٍ منزلية وديكورية. هذه الحرفة لم تكن يوماً مجرد مصدر للرزق، بل هي إرث ثقافي وتكنيك متوارث عبر الأجيال يعتمد على منظومة “الورش العائلية” التي جعلت من القرية بيئة صناعية متكاملة.

​ومع ذلك، تقف هذه الحرفة اليوم أمام منعطف حرج يهدد استمرارها، حيث يواجه الصناع عدة تحديات رئيسية:

​عقبات بيئية وتمويلية: صعوبة التحول من الأفران البلدية التقليدية ذات الانبعاثات الكربونية إلى الأفران الحديثة الصديقة للبيئة بسبب تكاليفها المرتفعة.

​ارتفاع كلفة الإنتاج: زيادة أسعار المواد الخام، وخاصة الطين الأسواني، فضلاً عن نفقات النقل.

​الفجوة الجيلية: عزوف قطاع من الشباب عن تعلم المهنة الشاقة وتفضيل الوظائف المكتبية والحديثة.

​ضعف التسويق: غياب المظلات التسويقية المنظمة التي تضمن وصول هذا المنتج التراثي الفريد إلى المعارض المحلية والدولية الكبرى.

​حراك أهلي وعلمي يقود التغيير

​في المقابل، لا تستسلم القرية لهذه التحديات؛ إذ يمتاز المجتمع المحلي في جريس بنسبة وعي وتعليم مرتفعة رفدت المجتمع بكفاءات في مجالات التدريس، والصحافة، والعمل العام. هذا الوعي ترجمه شباب القرية والجمعيات الأهلية النشطة إلى واقع ملموس عبر إطلاق مبادرات مجتمعية مستمرة تهدف إلى الارتقاء بالخدمات، ودعم الأسر الأولى بالرعاية، وتطوير البيئة المحلية.

​إن هذا التلاحم بين العمل الأهلي والوعي الثقافي يمثل القوة الدافعة الحقيقية وراء صمود القرية ومحاولاتها الدؤوبة لتطوير وتحديث قطاعاتها الإنتاجية والخدمية.

​خارطة الطريق نحو المستقبل

​يرى مراقبون ومتخصصون في الشأن التنموي أن إنقاذ إرث جريس وتطويرها يتطلب استراتيجية واضحة ترتكز على محاور محددة:

​التحول الأخضر: تقديم تسهيلات وتمويلات ميسرة للصناع لاستبدال الأفران التقليدية بأخرى غازية أو كهربائية لحماية البيئة وتحسين جودة المنتج.

​الاستثمار في التدريب: تدشين مراكز تدريبية متخصصة داخل القرية لتعليم الشباب أسرار الحرفة ودمجها بالفنون الحديثة لرفع قيمتها الاستثمارية.

​الدعم التسويقي والسياحي: إدراج قرية جريس كوجهة رئيسية على خريطة السياحة التراثية والبيئية في مصر، وتنظيم معارض دورية تدعم المنتج المحلي وتفتح له آفاق التصدير.

وقد أكد شيخ الفخرانية، الحاج فوزي غنيم، في اللقاء الصحفي أنه ورث هذه الحرفة أباً عن جد وما زال يقوم بتطويرها هو وإخوته، حيث أنه قضى عمره كله الذي يناهز السبعين في هذه الحرفة.

​ختاماً؛ تظل قرية جريس نابضة بالحياة والعطاء، تقدم دليلاً حياً على أن القرية المصرية قادرة على الإنتاج والإبداع، شريطة أن تتكامل الجهود الحكومية مع المبادرات الأهلية المخلصة لحماية هذا التراث الإنساني الفريد ودعم صناعه.

​تقرير صحفي : السيد عبدالعزيز القربي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى