كيف نعرف ما نريده حقًا من الحياة
مقال أجتماعي

في رحلة فهم النفس البشرية، نكتشف أن أصعب الأسئلة ليست تلك التي نبحث لها عن إجابات خارجنا، بل تلك التي تتعلق بما نريده نحن حقًا. فقد يعيش الإنسان سنوات طويلة يسير في اتجاهات اختارها بدافع التوقعات أو الظروف، دون أن يتوقف ليسأل نفسه: هل هذا ما أريده فعلًا؟
مع الوقت، قد يصبح التمييز بين ما نريده وما اعتدنا عليه أمرًا صعبًا. فقد نعتاد نمطًا معينًا من الحياة، أو نسير في طريق اختاره لنا الآخرون، حتى نظن أنه اختيارنا. وهنا يبدأ الشعور بالحيرة، أو بعدم الرضا، رغم أن الأمور قد تبدو مستقرة من الخارج.
معرفة ما نريده لا تأتي من التفكير السريع، بل من التوقف. عندما يمنح الإنسان نفسه مساحة من الهدوء، بعيدًا عن الضغوط والتأثيرات، يبدأ في سماع صوته الداخلي بشكل أوضح. هذا الصوت قد يكون خافتًا في البداية، لكنه يحمل إشارات مهمة عن ما يناسبنا وما لا يناسبنا.
كما أن التجربة تلعب دورًا مهمًا. أحيانًا لا نكتشف ما نريده إلا بعد أن نجرب ما لا نريده. فكل تجربة، حتى لو لم تكن كما نتمنى، تقرّبنا خطوة من فهم أنفسنا بشكل أعمق.
ومن المهم أيضًا أن نكون صادقين مع أنفسنا. قد نعرف ما نريده، لكننا نتجاهله خوفًا من التغيير أو من ردود أفعال الآخرين. في هذه الحالة، لا تكون المشكلة في عدم المعرفة، بل في عدم الجرأة على الاعتراف.
كما أن المقارنة قد تعيق هذا الفهم. عندما ننشغل بما يفعله الآخرون أو بما يحققونه، قد نفقد الاتصال بما يناسبنا نحن. فلكل إنسان طريقه الخاص، وما يناسب غيرنا قد لا يكون مناسبًا لنا.
معرفة ما نريده لا تعني أن تكون لدينا خطة واضحة لكل شيء، بل أن يكون لدينا إحساس بالاتجاه. أن نعرف ما يقربنا من الراحة، وما يبعدنا عنها، وأن نتحرك تدريجيًا نحو ما نشعر أنه يعبر عنا.
في النهاية، الإجابات الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل من الداخل. وكلما اقترب الإنسان من نفسه، أصبح أكثر وضوحًا في اختياراته، وأكثر راحة في الطريق الذي يسير فيه.
الخاتمة:
معرفة ما نريده ليست خطوة واحدة، بل رحلة مستمرة من الاكتشاف. وعندما نسمح لأنفسنا بأن نكون صادقين في هذه الرحلة، نقترب أكثر من حياة تشبهنا… لا مجرد حياة نعيشها.
يتبع في المقال القادم من سلسلة “رحلة داخل النفس البشرية”:
لماذا نحتاج أن نثق في توقيت حياتنا؟
بقلم د/ ياسمين السيد
استشاري صحة نفسية – لايف كوتش معتمد ICF
عضو ومدرب معتمد بالاتحاد الدولي للمدربين العرب
سفير التربية الإيجابية






