إعادة تشكيل الذات
مقال (٨) سلسلة مقالات إحداثيات النمو

إعادة تشكيل الذات
مقال (٨) سلسلة مقالات إحداثيات النمو
بقلم د. سمر رضا
كيف تصنع نسخة جديدة منك بعد التجارب الصعبة
توجد لحظة في حياة كل جبل جليدي لا يراها أحد: لحظة الانفصال. حين تنكسر كتلة الجليد عن الجبل الأم، وتبدأ رحلتها وحيدة في عرض البحر، هي لا تحاول العودة لشكلها القديم أبدًا. تذوب أجزاء منها بصمت، تنحت الأمواج حوافها من جديد، وتخرج في النهاية بهيئة لم تكن موجودة من قبل — أخف، أكثر انسيابًا، وأحيانًا أكثر جمالًا مما كانت عليه. هي ما زالت جليدًا، ما زالت هي، لكنها لم تعد أبدًا كما كانت.
هذا بالضبط ما يحدث لك حين تمر بتجربة تكسرك عن نسختك القديمة: فقد يهدم يقينك، خيانة تسحب الأرض من تحتك، مرض يعيد ترتيب أولوياتك بالقوة. تخرج من التجربة وأنت تحمل رغبة واحدة ملحّة: “عايز أرجع زي زمان”. وهذه الرغبة، على بساطتها، هي أخطر ما يعطّل شفاءك.
لماذا نتمسك بشبح نسختنا القديمة؟
لأن القديم مألوف، حتى وهو ينزف. المألوف يمنحنا وهم الأمان، بينما المجهول — حتى لو كان أجمل — يخيفنا لمجرد أننا لم نره بعد. نفضّل الحنين على الاكتشاف، ونظل نمسك بصورة انتهت، بينما الحياة تسحبنا بعيدًا عنها كل يوم. يزيد الأمر تعقيدًا أن من حولنا يريدوننا أن “نرجع لطبيعتنا”، وكأن التحول خطأ يجب تصحيحه، لا دليل حي على أننا نجونا. فنعيش معلّقين بين ما انتهى وما لم يبدأ بعد، نستنزف أرواحنا في محاولة إحياء شكل مات، بدل أن نمنح هذه الطاقة لشكل يستحق أن يولد.
هذا هو جوهر إعادة التشكيل: ليست ترميمًا لما تهدّم، بل ولادة هوية جديدة، بوعيك أنت، لا بما تفرضه عليك الصدفة أو الألم.
كيف تصنع نسختك الجديدة؟
١. اسمح لنفسك بالحزن، لكن لا تحنّط الحزن في محاولة إحياء.
احزن على من كنته، على أمانك القديم، على البساطة التي رحلت. لكن اعرف الفرق: الحزن يشفيك، ومحاولة إعادة شخص مات فيك تُبقيك أسيرًا لجثة.
٢. اجمع الذهب من تحت الرماد.
كل انكسار يترك خلفه كنزًا مدفونًا: وضوحًا لم تملكه، حدودًا لم تجرؤ عليها، قوة لم تكن تعرف أنها فيك. اسأل نفسك الليلة: “ما الذي عرفته عن نفسي، ولم أكن لأعرفه لولا هذا الألم؟”
٣. عِش قرارك الجديد، لا تُعلنه فقط.
الهوية لا تُبنى بالكلام، بل بتفصيلة صغيرة يوميًا: رسالة رفضت الرد عليها بذل، حدّ وضعته لأول مرة، صوت رفعته وأنت خائف. كل قرار صغير كهذا حجر في بناء من تصير.
٤. ودّع فكرة “الطبيعي” إلى الأبد.
لا يوجد نسخة أصلية يجب أن تعود إليها. يوجد فقط أنت، الآن، في طور التشكّل، ومن حقك أن تصمّم هذا الشكل بنفسك، لا أن تنتظر أن يفرضه عليك القدر.
كلمة إليك
كثيرون جلسوا أمامي وقالوا: “أصعب لحظة مش وقت الأزمة، أصعب لحظة كانت لما حاولت أرجع زي زمان ومقدرتش”. وشعروا بالذنب، وكأن التغيّر خيانة. أقول لك بكل ما أملك من يقين: أنت لست مطالبًا بأن تكون نفس من كنت قبل أن ينكسر العالم من حولك. تحوّلك ليس عيبًا في الخريطة، هو أصدق دليل على أن الحياة ما زالت تجري فيك.
خلاصة القول
لا أحد يُشفى بالعودة. الجميع يُشفى بالمضي إلى نسخة لم تولد بعد. فلا تبكِ على جبل انهار، ابكِ لحظة، ثم انهض وابنِ من حطامه جبلًا لم يره أحد من قبل — هذا الجبل هو أنت.
د.سمر رضا
دكتوراه الفلسفة في الآداب






