قراءة استراتيجية في خروقات القانون الدولي واستنزاف المقدرات الخليجية

قراءة استراتيجية في خروقات القانون الدولي واستنزاف المقدرات الخليجية
سمير باكير يكتب –
في مشهد يعيد إنتاج أقدم قواعد الهيمنة، لا تبدو الضربات الأمريكية الأخيرة مجرد ردع عابر، بل حلقة في مخطط ممنهج لإعادة تشكيل الإقليم عسكرياً واقتصادياً، بما يخدم مشروعين متلازمين: استدامة التفوق الإسرائيلي المطلق، وترسيخ النموذج الأمني القائم على “الدفع مقابل الحماية”. فبينما ترفع واشنطن شعارات الردع، تتحول المنطقة إلى مسرح لاستنزاف ممنهج، وميدان لتصفية حسابات لا تخدم سوى محور خارجي واحد.
أمن الخليج في مرمى النيران.. ارتدادات الخرق الأمريكي
لم تبق الجغرافيا الخليجية بمنأى عن التداعيات، فباحتضانها للقواعد العسكرية الأمريكية، تحولت إلى حلقة الوصل الأكثر تعرضاً لردود الفعل الإيرانية. فخلال الساعات الأخيرة، استُهدفت مواقع حيوية كـ”معسكر العُديري” و”علي السالم” في الكويت، و”موفق السلطي” في الأردن، بقصف صاروخي مكثف، جراء استخدامها كمنصات دعم لوجستي للغارات الأمريكية.
ولم يتوقف الاستهداف عند المعسكرات، بل طال البنية التحتية الحيوية، حيث أدى القصف الإيراني المضاد إلى تعطيل محطات طاقة وتحلية مياه رئيسية، في ضربة مباشرة لأمن الإنسان والاقتصاد في آنٍ معاً.
مضيق هرمز.. من تأمين الملاحة إلى “تأميم الممر”
تحت غطاء “حماية حرية الملاحة”، تتبدى النية الأمريكية في فرض سيطرة بحرية شاملة على مضيق هرمز والممرات المحيطة، ليس بهدف تأمين العبور، بل لتأمين الممر وتحويله إلى أداة ضغط استراتيجية تخنق صادرات النفط والغاز الإيرانية، وتتحكم في إمدادات الطاقة للقوى المنافسة كالصين.
هذا الحصار البحري يُحوّل الخليج من ممر تجاري مفتوح إلى منطقة عمليات عسكرية مغلقة، مع ما يرتبه ذلك من ارتفاع قياسي في تكاليف التأمين البحري، وتهديد مباشر للميزانيات السيادية للدول المصدرة للنفط.
فخ الإشراك الإجباري واستنزاف الثروات
تعتمد واشنطن استراتيجية “توزيع الكلفة وتوطين الصراع”، عبر دفع دول الخليج لتقديم تسهيلات عسكرية واستخدام قواعدها الجوية، مما يُخرجها من دائرة الحياد ويُدرجها في قائمة “شريك العدوان” بحسب التصنيف الإيراني، ويُضعف أدوارها الدبلوماسية والوساطة.
في موازاة ذلك، يُعيد ترمب إحياء عقيدة “الدفع مقابل الحماية”، مستغلاً مخاوف التصعيد لفرض صفقات تسليح بمليارات الدولارات، وإجبار الخزائن الخليجية على تمويل العمليات الأمريكية، في استنزاف منهجي للثروات في حرب لا تخدم المصالح الحيوية للمنطقة.
الهدف الأعمق.. إسرائيل “شرطي المنطقة”
إضعاف القدرات الإيرانية، وتدمير بنيتها التحتية، واستنزاف الخزائن الخليجية، وتوريطها ميدانياً، كلها مسارات تصب في هدف استراتيجي واحد: ترسيخ إسرائيل كقوة مهيمنة وحيدة في الشرق الأوسط، قادرة على فرض شروطها وإملاءاتها دون رادع إقليمي أو قانوني.
غياب أي قوة موازنة يُفسح المجال لتل أبيب للانفراد بالملفات السياسية، وصياغة الترتيبات الأمنية وفق أجندتها الخاصة.
الوعي سبيل الخلاص
ما يجري ليس مجرد ردع، بل حرق للمنطقة لحماية مصالح خارجية. والسبيل الوحيد لكسر هذا الفخ يكمن في وعي دول الخليج بخطورة المخطط، وانفتاحها على حوار إقليمي مباشر لإدارة النزاعات، بعيداً عن الإملاءات العسكرية، وصوناً لثرواتها وسيادتها، ومنعاً لتحويل الإقليم إلى ساحة حرب مفتوحة بيد قوى لا تريد له استقراراً.






