القراءة.. نافذة العقل ومصدر السعادة المستدامة
بقلم / ياسمين عبد الحميد - معلمة اللغة العربية بدولة الإمارات العربية المتحدة

حين يصبح الكتاب رفيقًا للإنسان، تتحول القراءة من عادة معرفية إلى تجربة تمنح العقل متعته والروح سكينتها. ومن هنا لم تعد القراءة في دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد ممارسة فردية، بل أصبحت مشروعًا حضاريًا يهدف إلى بناء الإنسان وصناعة المستقبل؛ فقد أدركت القيادة الإماراتية أن المجتمعات المتقدمة تبدأ بعقول قارئة تمتلك المعرفة، وتستطيع التفكير والإبداع وصناعة الحلول. لذلك جاءت الجهود الوطنية المتعددة لترسيخ ثقافة القراءة، وتحويلها إلى سلوك يومي متأصل في حياة الأفراد، وليس نشاطًا عابرًا مرتبطًا بالمناسبات.

ويأتي تحدي القراءة العربي في مقدمة هذه المبادرات الرائدة، بوصفه مشروعًا عربيًا أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بهدف تشجيع ملايين الطلبة على القراءة وتعزيز علاقتهم بالكتاب واللغة العربية، وتحفيزهم على اكتساب المعرفة وتطوير مهارات الفهم والتعبير.

لقد أسهمت هذه الرؤية الإماراتية في تحويل القراءة من ممارسة فردية إلى حركة مجتمعية واسعة، حيث أصبحت المدارس شريكًا أساسيًا في نشر ثقافة القراءة، من خلال توفير البيئات المحفزة، وإطلاق المبادرات التي تجعل الكتاب جزءًا من حياة الطالب اليومية. كما يعكس تخصيص دولة الإمارات لشهر القراءة اهتمامًا مؤسسيًا مستدامًا بترسيخ عادة القراءة، ودعم المبادرات التي تسهم في بناء مجتمع قائم على المعرفة.

وانطلاقًا من إيماني الخالص بهذه الرؤية الوطنية ورسالتي التربوية، حرصتُ دائمًا على السعي الجاد والتخطيط لتطبيق مبادرات نوعية تنمي حب القراءة لدى الطلاب وتغرسها كعقيدة وسلوك يومي. ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة “السعادة تقرأ” في مدرستي امتدادًا طبيعيًا لـهذا الشغف والتوجه الوطني؛ إذ انطلقت من الإيمان بأن القراءة ليست فقط وسيلة لتحسين التحصيل الأكاديمي، بل طريق لصناعة السعادة وبناء شخصية متوازنة قادرة على التفكير والتعبير والإبداع.

فقد أصبح يوم الخميس موعدًا أسبوعيًا ينتظره الطلبة لقراءة القصص باللغتين العربية والإنجليزية، في أجواء تفاعلية تجعل الكتاب مصدرًا للمتعة والاكتشاف، وليس مجرد مهمة تعليمية. وعلى مدار ثلاثة أعوام، تحولت المبادرة إلى ثقافة مدرسية مستدامة أسهمت في تعزيز الدافعية نحو القراءة وتنمية مهارات الفهم القرائي والتفكير الإبداعي لدى الطلبة.

ولأن القراءة رحلة مستمرة وليست محطة مؤقتة، فقد حرصنا على تطوير مبادرة “السعادة تقرأ” وفق نتائج قياس الأثر لتتوسع إلى مسارات جديدة هي “السعادة تكتب” و”السعادة تتحدث”، لتصبح القراءة نقطة انطلاق لتنمية مهارات الكتابة الإبداعية والتواصل الشفهي والحوار. وهكذا تحولت المبادرة من نشاط قرائي إلى منظومة متكاملة تسهم في بناء طالب قارئ، وكاتب مبدع، ومتحدث واثق، بما ينسجم مع الرؤية الإماراتية في بناء جيل محب للمعرفة وقادر على صناعة المستقبل.

إن التجربة تؤكد أن https://www.asiaa-press.com/wp-content/uploads/2026/07/404F21E3-B9E6-42D6-B86D-C61E6BCE0589.jpg-300×201.jpegالسعادة التي تمنحها القراءة لا تأتي فقط من متعة القصة أو جمال اللغة، بل من الشعور بالنمو والتطور واكتشاف عوالم جديدة. فالطالب الذي يقرأ يصبح أكثر قدرة على فهم ذاته، والتواصل مع الآخرين، وتكوين أفكار جديدة، وهو ما يتوافق مع أهداف المنظومة التعليمية الإماراتية التي تسعى إلى إعداد متعلم يمتلك المعرفة والمهارات والقيم اللازمة للمستقبل.






