تجارة المظلومية.. عندما يتحول «دور الضحية» إلى سلاح للاستغلال العاطفي

تجارة المظلومية..

1785115451090​بقلم: د. محمود عبد الباري
استشارى نفسي ومدرب معتمد

​في زمن أصبحت فيه المشاعر تُعرض على شاشات الهواتف كالبضائع، لم تعد البطولات تُقاس بقدرة الإنسان على الصمود أو تحمل المسؤولية بشجاعة، بل ظهرت في مجتمعنا ظاهرة أكثر خطورة وهي “صناعة المظلومية”. لقد تحول لعب دور الضحية عند البعض من حالة ضعف إنساني طبيعية تستدعي العطف والمؤازرة، إلى استراتيجية حياة كاملة، وسلاح ناعم يُستخدم ببراعة لابتزاز الأطراف الأخرى، وجلب الانتباه، والهروب الأبدي من أي استحقاق أخلاقي أو اجتماعي.

​المشكلة الحقيقية في هذا النمط من الشخصيات أنه لا يبحث مطلقاً عن حلول لمشاكله، بل يستلذ العيش في دور المجني عليه. هو يقتنص أي تعثر، أو خلاف عائلي، أو سوء فهم عابر، ليصنع منه دراما ملحمية يكون هو فيها الحمل الوديع دائماً، بينما الطرف الآخر هو الجاني والقاسي. يعيش هؤلاء برقعة شطرنج مقلوبة؛ يحرصون على إقناع الجميع بأن الخطأ دائماً يقع على عاتق الآخرين، وأن أي نقد يُوجه لتصرفاتهم هو “اضطهاد”، وأي مطالبة لهم ببدل الجهد أو الإصلاح هي “قسوة لا تُطاق”.

​من الناحية النفسية والاجتماعية، تحقق هذه الحيلة لأصحابها أرباحاً سريعة ومجانية؛ فهي تمنحهم حصانة كاملة ضد المحاسبة، وتُعفيهم من مشقة مراجعة النفس أو الاعتراف بالخطأ. والأدهى من ذلك، أنها تُحول النبل والشهامة لدى المقربين منهم إلى فخ؛ فالزوج، أو الصديق، أو الشريك الاجتماعي يجد نفسه طوال الوقت متلوماً، ومطالباً بالاعتذار عن أخطاء لم يرتكبها، ويظل يستهلك طاقته وأعصابه لتطييب خاطرهم وتلبية طلباتهم، دون أن يصل أبداً إلى بر الأمان أو ينال رضاهم.

​إن الحياة لا تستقيم عندما نُقدس الضعف ونعتاد التسول العاطفي. فالفرق شاسع جداً بين إنسان تعرض لظلم حقيقي ويحاول النضال والتعافي منه بكبرياء ونبل، وبين إنسان اتخذ من الضعف هويته، ومن الدموع بضاعته، ومن جراح الماضي متجراً يبتز به حاضراً ومستقبلاً ليس من حقه. إن الاستمرار في ارتدائه لثوب الضحية هو في حقيقته نوع من “الأنانية المقنعة” التي تفرغ العلاقات الإنسانية من مضامينها السوية، وتحول البيوت إلى حلبات ابتزاز لا تنتهي.

​لقد آن الأوان أن نسترد شجاعة المواجهة، وأن ندرك أن التعافي الحقيقي لا يبدأ بنشر الشكوى وتذمّر السوشيال ميديا، بل بتحمل مسؤولية أفعالنا وقراراتنا. القوة ليست في أن تُجبر العالم على الشفقة عليك، بل في أن تقف على قدميك وتصلح ما أفسدته الأيام بنفس راضية وقوية. كفاكم تجارة بالآلام، فالحياة لا تحترم من يختار أن يظل كسيحاً بكامل إرادته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى