الذاكرة المزيفة…… الرواية البديلة”التلفيق”

(أكاذيب بلا كاذب وفراغات الألم )الحلقة العاشرة من سلسلة: آليات الدفاع النفسي

الذاكرة المزيفة…… الرواية البديلة”التلفيق”
(أكاذيب بلا كاذب وفراغات الألم )
بقلم…. د/سارة العناني
(الحلقة العاشرة من سلسلة: آليات الدفاع النفسي)
مقدمة:

موعدنا اليوم مع بطل جديد من أبطال آليات الدفاع النفسي فهذا البطل من أكثرها غرابة وإرباكاً.

فهو ليس كذباً بالمعنى المعروف… ولكنها ذاكرة مزيفة يصنعها العقل ليملأ بها فجوات الألم والنسيان.

إنها رواية بديلة نخلقها لأنفسنا… لا لنخدع الآخرين… بل لنخدع أنفسنا كي نستطيع العيش.

بعد أن تعلمنا كيف يمحو العقل الذاكرة في “الكبت”، وكيف ينفصل عن الواقع” الانفصال”، وكيف يعود للطفولة “النكوص”… سنتعلم اليوم كيف يختلق العقل واقعاً بديلاً. واقعاً يشبهنا تماماً… لكنه ليس حقيقياً.

 أولاً:
 ما هو “التلفيق”؟

. التلفيق هو آلية دفاع لا واعية، يقوم فيها العقل بملء الفجوات في الذاكرة بقصص وتفاصيل مختلقة بالكامل. فالشخص لا يدرك أنه يختلق هذه القصص بل يعتقد أنها حقيقية تماماً.

ببساطة:

العقل الباطن يقول:

“هناك ثقب أسود في الذاكرة. هذا الثقب مخيف جداً؛ لا أستطيع تركه فارغاً؛سأملؤه بشيء؛ وسريعا يصنع له قصة. ولكن يا تري أي قصة. القصة التي تقنعه هو شخصياً انها حقيقية وليس الآخرين فقط .”

ثانياً:

كيف يختلف التلفيق عن الكذب وعن غيره من الآليات؟

هذا سؤال مهم جداً، لأن الناس تخلط بين هذه المفاهيم:

· الكذب:

أنا أعرف الحقيقة. لكني أختار أن أقول غيرها.فهنا أنا واعٍ تماماً.

· الكبت:

أنا لا أتذكر الحقيقة. الذاكرة ممسوحة. هناك فراغ.

· التلفيق:

أنا لا أتذكر الحقيقة

(مثل الكبت). لكن بدلاً من ترك الفراغ فارغاً، عقلي يخترع قصة تملؤه. أنا لا أعرف أن القصة مختلقة. أنا أصدقها.

المقارنة الأهم:

· الكبت = الصفحة ممزقة (فارغة).

· التلفيق = الصفحة الممزقة استُبدلت بصفحة أخرى مكتوبة بقصة جميلة… لكنها ليست القصة الأصلية.

ثالثاً:

أين يظهر التلفيق في حياتنا؟

قد تظن أن التلفيق نادر، لكنه أكثر شيوعاً مما تتخيل:

1. المريض الذي فقد الذاكرة:

مريض يعاني من متلازمة كورساكوف (Korsakoff’s Syndrome) نتيجة إدمان الكحول المزمن.

يسأله الطبيب: “ماذا فعلت البارحة؟” فيجيب بثقة: “ذهبت لزيارة ابني في مدينة بعيدة.” الحقيقة أن ابنه لم يزره منذ سنوات، وهو لم يغادر سريره. لكن عقله يخلق كل يوم قصة جديدة ليملأ الفراغ.

2. الشخص الذي يبرر فشله بقصة بطولية:

شاب يفشل مثلاً في مقابلة عمل مهمة.

بعد أسبوع، يحكي لأصدقائه بأن “الشركة كانت فاسدة. المدير عرض عليّ رشوة ورفضتها. أنا من انسحبت!” الحقيقة أنه تم رفضه. لكن هذه الحقيقة مؤلمة جداً. عقله خلق قصة تجعله البطل، لا الضحية.

3. الناجي من الصدمة الذي يروي رواية مختلفة:

شخص تعرض لحادث سيارة مروع. بعد أشهر، يحكي: “كنت أقود بهدوء، وفجأة ظهرت شاحنة من العدم.” الحقيقة (التي لا يتذكرها) أنه كان مسرعاً. لكن عقله محا السرعة، وخلق قصة “الشاحنة التي ظهرت من العدم” ليحميه من تأنيب الضمير.

رابعاً:

لماذا يلجأ العقل للتلفيق؟ وما خطره؟

. لماذا يلجأ؟

لأن الفراغ مرعب فالعقل البشري آلية عمله تعمل دائما علي غلق الفراغات.

فعندما يمسح العقل الذكرى المؤلمة (بسبب الكبت)، يترك فراغاً. هذا الفراغ يخلق قلقاً غامضاً. العقل لا يحتمل هذه الفراغات. إنه يريد قصة. أي قصة.المهم انه يغلق الفراغ حتى لو كانت مزيفة، فهذه الطريقه تمنحنا الإحساس بالسيطرة والفهم.

. ما خطره؟
_فقدان الثقة:

إذا اكتشف المحيطون بالشخص أنه “يختلق” قصصاً (حتى لو كان لا إرادياً)، يفقدون الثقة فيه.

_ تدمير العلاقات:

الشخص المتلفق قد يتهم الآخرين بالكذب، لأنه هو نفسه مقتنع بقصته المزيفة.

_ منع وتعطيل العلاج:

إذا كان المريض “متأكداً” من روايته المزيفة، فلن يبحث عن الحقيقة، وبالتالي لن يتعالج.

خامساً:

كيف نتعامل مع التلفيق؟

1. لا تواجه المتلفق بعنف:

هو لا يكذب… هو للأسف مقتنع.

فالمواجهة العنيفة قد تجعله يتمسك بقصته أكثر.

2. لا تعزز القصة المزيفة:

في نفس الوقت، لا تنغمس معه في القصة وكأنها حقيقية. لا تسأله عن تفاصيل أكثر. هذا يعزز الوهم.

3. بلطف… قدم الواقع:

“هذا مثير للاهتمام. لكني كنت أعتقد أن الأمر حدث بشكل مختلف. دعنا نتحقق معاً من السجلات/الصور/الشهود.”

4. اطلب المساعدة المتخصصة:

التلفيق المزمن يحتاج إلى طبيب نفسي أو طبيب أعصاب؛ خاصة إن كان مرتبطاً بإصابة في الدماغ أو إدمان.

إنتبه….

التلفيق ليس “ضعف شخصية”… هو عرض يمكن علاجه .

خاتمة:
” القصة التي نرويها لأنفسنا”

بطل قصتنا اليوم “التلفيق” هو الآلية التي تشرح لنا لماذا يروي بعض الناس قصصاً عن حياتهم… لم تحدث أبداً. تشرح لنا أن الذاكرة ليست “كاميرا” تسجل الحقيقة… بل هي عبارة عن “روائي” يكتب ويعيد كتابة القصة كل يوم بشكل يساعد علي بقائنا في أمان .

نصيحة……

. علاج التلفيق ليس في “كشف الكذبة”… بل في ملء الفراغ الحقيقي.

. ساعد الشخص على مواجهة الحقيقة ولكن بحذر وهدوء

. الحقيقية… حتى وإن كانت مؤلمة تستحق أن تُروى لنتخلص من صراعنا معها ع البقاء.”

تذكر……

نحن لسنا ملائكة ننطق بالحق المطلق؛ نحن بشر. ننسى؛ نخلط؛ نختلق.

فالشجاعة هي أن نسعى للحقيقة… حتى لو كانت مؤلمة.

ولكن قمة الشجاعه… أن نبحث عن الصفحة الأصلية… حتى ولو كانت ممزقة.

. ليس المطلوب منك أن تكون صاحب ذاكره مثالية…. لكن المطلوب منك ألا تصبح سجيناً لقصة صفحاتها ممزقه وتروي قصة لم تعشها .

ولا تنسوا شعارنا في الحياه.
“الوعي = حياة.”
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى