امينة المفتي اخطر جاسوسة عربية

بقلم الاعلامية / د هاله فؤاد
ولدت أمينة المفتي أشهر وأخطر جاسوسة عربية عام 1939 م لعائلة شركسية مسلمة هاجرت الى الاردن منذ سنوات طويلة .
كان والدها تاجر مجوهرات ثري، ووالدتها سيدة مجتمع مثقفة تجيد أربع لغات ، وكانت لها علاقات قوية بسيدات المجتمع الراقي .
كانت امينة اصغر أخواتها وكانت مدللة تحظى برعاية خاصة ، فطلباتها مجابة دون قيد او شرط.
تعرفت أمينة في فترة المراهقة في المرحلة الثانوية ببسام الفلسطيني الأصل والذي أحبته حبا شديدا.
ولكنه تركها وبعث لها رسالة تشمل أبشع وأفظع الكلمات بل وأصعبها على نفسها ، فلقد اتهمها بالغرور والأنانية ، وأنها شرسة وتنتهج أسلوب خاطئ في الحياة.
نزلت هذه الكلمات على أمينة كالصاعقة زلزلت كيانها ، وتملكتها رغبة شديدة في الانتقام ، وايضا قوة كراهية رهيبة .
كانت لهذه الظروف أثرا سيئا على دراستها ،فحصلت على الثانوية العامة بدرجات متوسطة ، جعلها تسافر إلى أوروبا للالتحاق باحدى جامعاتها.
وفعلا التحقت أمينة بجامعة فينا في عام 1957 م .
وجدت أمينة في هذه البيئة الجديدة ماكانت تبحث عنه من تحرر ، فقد كانت دائمة السخط على العادات و التقاليدالشرقية .
كانت رفيقتها في بيت المغتربات طالبة في نهائي طب تدعى جولي باتريك علمتها التدخين والكثير من العادات الأوروبية .حصلت امينة على بكالوريوس علم النفس الطبي ، وعادت ألى عمان مكرهة تحمل في نفسها صراع بين ماتعودت عليه من طبائع جديدة تحبها وبين ماتكرهه في الشرق من قيود ورقابة .
في هذه الفترة تذكرت حبيبها بسام، واخذت تبحث عنه حتى علمت بزواجه من الفتاة الجميلة الفقيرة التي احبها وفضلها عليها.
فتملكتها روح الحقد والكراهية ، وأصيبت بالاكتئاب ، ولم تجد حلا لذلك سوى السفر مرة ثانية الى النمسا بحجة استكمال دراستها العليا لنيل درجة الدكتوراة ، وكانت في قرارة نفسها عازمة على الا تعود الى الشرق ثانية .
وعندما ذهبت مرة اخرى الى النمسا تعرفت بفتاة يهودية تدعى سارة بيراد شاركتها العمل والسكن وانخرطا معا في تيار الهيبيز الذي انتشرت اولى جماعاتة في اوروبا في تلك الفترة الزمنية .
وفي زيارة لاسرة سارة في وستندورف تعرفت على موشية شقيق سارة الاكبر وكان شابا وسيما ذو نظرات ساحرة ومفعم بالحيوية مما جعلها تحبه حبا كبيرا وتتعلق به بشدة .
كان موشيه طيار عسكري برتبة نقيب وكان شاعري ومحبا للشعر الاسود وحسنوات الشرق .
اعترفت امينة لموشيه بحبها وهوبادلها الحب أيضا . كان هذا دون زواج فامينة لاتعترف بعادات واخلاق الشرق.
مرت خمس سنوات على هذه العلاقة المحرمة ولم تكن تهتم بدراستها للدكتوراة ،وانتهت المدة دون ان تحصل على شهادتها وكان يجب عليها العودة الى بلدها .
فساعدها موشيه على الحصول على شهادة دكتوراة مزورة في علم النفس المرضي .
وعادت الى الاردن في عام ١٩٦٦م ، واستقبلها الاهل بحفاوة وترحاب وافتخار د وطالبوها بالموافقة على الزواج من ابن عمها .
لكنها طلبت منهم مهلة حتى تفتح المستشفى الخاصة بها في عمان .
ولكن وقع خلاف بينها وبين وكيل وزارة الصحة اثناء الاجراءات الخاصة بترخيص المستشفى ، فقامت بتقديم شكوى ضده الى وزير الصحة الذي امربالتحقيق سريعا .
تشككت لجنة التحقيق في تصديقات الشهادة العلمية وطلبت منها تصديقات جديدة من فيينا .
سافرت امينة الى النمسا تحمل مشاعر الحقد والكراهية والخوف من افتضاح امر تزوير الشهادة .
سارعت الى موشيه بكل الحب والحنين اليه ، غير مهتمة بما حدث لوطنها العربي في عام ١٩٦٧ م ، بل على العكس كانت شامته ،معلنة شماتتها بلاخجل .
انها تكره كل شئ واى شئ متصل بالعرب .
طلب موشيه من امينة الزواج زواجا رسميا في المعبد ، فوافقت بكل لهفة وشوق .
واعتنقت امينة اليهودية في معبد شيموديت ، وتزوجت من موشيه وغيرت اسمها الى الاسم اليهودي الجديد آني موشيه بيراد .
اقامت امينة مع زوجها في شقة رائعة على اطراف مدينة فيينا .
ارادت امينة ان تبعد عن عيون المخابرات العربية التي تصورت انها تطاردها .
وكانت تخاف حتى الخروج للتنزه سواء وحدها او مع زوجها .
وفي عام ١٩٧٣ م قرات امينة اعلانا باحدى الصحف ، تطلب فيه اسرائيل متطوعين من يهود اوروبا للالتحاق بجيش الدفاع ، وذلك مقابل مرتبات ومزايا عديدة .
فرحت امينة كثيرا بهذا الخبر وحاولت ان تقنع موشيه بالفكرة ، حيث انه ىسيحصل على مسكن في اسرائيل ويالتالي ستتخلص من خوفها تماما .
كان موشيه يسعى للعمل باحدى شركات الطيران المدنية ، ولذلك رفض في البداية ، لا ان امينة ظلت تلح عليه حتى تقدم موشيه باوراقه الى السفارة الاسرائيلية .
سافرا الى اسرائيل ، وبعد ايام قليلة تم استدعاء امينة الى احدى الجهات الامنية وتم توجيه مئات الاسئلة لها عن نشأتها في الاردن وعن اسرتها ووظائف اقاربها واصدقائها ، كيف تقابلت مع موشيه وكيف تزوجا ، وعن مشاعرها تجاه الاردن والفلسطسنيين ، فاجابت واكدت انها تكره منظمة التحرير وكل المنظمات الارهابية ، فهم يكرهون الاقلية الشركسية في الاردن وخربوا بيوتهم وممتلكاتهم ظنا منهم ان عمها اللواء بالبلاط الملكي كان وراء مذابح ايلول سنة ١٩٧١ م ، واحد مرتكبيها .
ثم سألوها عن ما تمثله لها دولة اسرائيل ومدى انتمائها لها .
كانت اجابة امينة على الاسئلة مبهرة ، فاعاددها الى منزلها مع وعد بتوفير عمل مناسب لها في اقرب فرصة .
اخضع موشيه لتدريبات الاستطلاع الجوي ، وفي اخر يناير ١٩٧٣ م طار موشيه بطائرة ال سكاي هوك باتجاه الجبهة السورية وكانت اول استطلاع له ، فاسقطته المدفعية السورية ، واعتبر مفقودا منذ تلك اللحظة لأن سوريا لم تعلن عن أسر الطيار الاسرائيلي ، لكنها أعلنت أن الطائرة إنفجرت في الجو وقائدها بداخلها .
لم تصدق أمينة الخبر وظلت تصرخ صرخات هستيرية دخلت على أثرها عيادة ( كوبات حوليم هستدروت ) للأعصاب ، واحتبس صوتها من هول الفاجعة .
وبعد شهر ونصف تكلمة واعربت عن شكوكها في البيان السوري ، وان موشيه مازال حيا .
فقدان موشيه جعلها تكره العرب اكثر واكثر ويزداد حقدها عليهم .
صممت امينة على الانتقام من العرب فتقدمت بطلب الى السلطات المختصة للسماح لها بالسفر الى بيروت ودمشق لتقصي الاخبار عن زوجها الحبيب .
ذهبت امينة الى بيروت ونزلت باحد الفنادق في شارع الحمراء .
تعرفت على سيدة لبنانية اردنية الاصل تدعى خديجة زهران تمتلك محلا للملابس تديره بنفسها ، فاشترت منها ملابس بمبلغ كبير لتتقرب اليها ودلتها خديجة على شقة صغيرة بحي عين الرمانة.
ثم بدات تبحث عن زوحها وتتقصى اخباره وبعد رحلات عديدة بين بيروت ودمشق ، فشلت امينة في الوصول الى اي خبر يجعلها تطمئن على زوجها ، فتأكدت ان موشيه قد مات بالتأكيد.
غادرت امينة بيروت الى فيينا وهي حزينة ، وفي شقتها بفيينا تلقت اتصال هاتفي من تل ابيب ، وفي اليوم التالي استقبلت ثلاثة رجال عرفت منهم انهم ضباط اسرائيليون جاؤا لانهاء إجراءات الارث الخاصة بها دون مشاكل مع اسرة زوجها او الجهات الرسمية سواء في النمسا اواسرائيل، ولكن كان المطلوب منها ان تتعاون معهم لقاء ذلك .
فقد كانت امينة صيدا ثمينا وسهلا ، فهي امراة عربية فقدت وطنها واهلها ، وتعيش حزينة لفراق زوجها الحبيب ، ولا مأوى لها سوى اسرائيل .
كانت مهمتهم سهلة للغاية فامينة اصلا تكره العرب وعاداتهم وتقاليدهم وقد زاد كرهها لهم بعد مقتل زوجها الحبيب موشيه.
تلقت امينة دورة تدريبية مكثفة في فنون التجسس ، من جمع للمعلومات
،والتشفير ،والتصوير ،والتدريب الى المراقبة والافلات منها ، والتمييز بين الاسلحة .
كما تلقت سبل تقوية الذاكرة وتخزين المعلومات والارقام على يد خبير متخصص وانهت الدورة بنحاح باهر .
غادرت امينة الى بيروت هذه المرة للانتقام لزوجها ، وكانت مهمتها محددة وهي تقصي اخبار رجال المنظمات الفلسطينية ورجال المقاومة ، وايضا التحري عن مراكز إقامة قادة المقاومة ، والطرق التي يسلكها الفدائيون للتسلل الى الاراضي المحتلة .
وأيضا التعرف على اعداد الفدائيين وتدريبهم ، وتسليحهم ،ومخازن الأسلحة .
تعرفت من خلال خديحة زهران على مانويل عساف موظف التليفونات وعلى مديره مارون الحايك .
اسفرت عملية تجنيد مارون الحايك عن فائدة عظيمة لاسرائيل ، اذ ان التجسس المستمر على مكالمات القائدة وزعماء الجبهات الفلسطينية ، كشف نواياهم تجاه اسرائيل وخططهم الفدائية للضرب داخل الاراضي المحتلة.
أقحمت امينة نفسها في ملاجئ الفلسطينيين كطبيبة متطوعة لشفاء الجرحى ، ، وتمكنت بذكاء ودهاء للوصول الى مكتب الرئيس ياسر عرفات وحصلت منه على اذن موقع للدخول الى جميع المواقع الفلسطسنية على انها طبيبة ماهرة تشارك في تضميد الجرحى.
وقد تسللت الى قلوب الفلسطسنيين والقادة بما اظهرته من حب وتعاطف معهم ومع قضيتهم .
طلب الموساد من امينة ايجاد فرصة مناسبة لدخول شقة علي حسن سلامة : وهو شاب ذكي شاهد بنفسه مقتل والده على يد اليهود وهو في الخامسة عشرة من عمره .
حصل على الثانوية العامة بتفوق ،كما حصل على منحة للدراسة بالجامعة الامريكية في بيروت تخرج مهندسا والتقي بياسر عرفات الذي كان قد اسس منظمة التحرير الفلسطينية .
شغل منصب رئيس المخابرات الفلسطينية ، ورئيس العمليات بمنظمة ايلول الاسود التي دوخت اسرائيل بعملياتها الفدا ئية المذهلة .
كان مطلوب من امينة ان تدخل شقة علي حسن سلامة لمحاولة الحصول على القوائم السرية لرجال مخابراته في اوروبا ، خطط العمليات المستقبلية المطروحة .
انتهزت امينة فرصة لقائها بسلامة في الكورال بيتش كالمعتادد وسألته عن أولاده د فاندهش لانه لم يحدثها عنهم من قبل ، وكرجل مخابرات ملاه الشك من ناحيتها ، وقرر البحث عن أصولها وحياتها وطلب من رجاله في عمان موافاته ببيانات عن الطبيبة الاردنية امينة داوود المفتي .
وجاءت التحريات بانها فعلا طبيبة اردنية غادرت الى النمسا للدراسة ، فجدد الثقة فيها ..لكن بلاغا سريا من اوروبا وصل الى مكتب المخابرات قلب الامور كلها راسا على عقب ، كان الخطاب يوضح أن هناك جاسوسة عربية بين الفلسطينيين ، فوضع سلامة اربعة من المشكو كات فيهن من بينهن امينة تحت المراقبة .
قام رجال المخابرات بايهام امينة ان زوجها موشيه كان اسيرا لدى السوريين ، وقد اطلق سراحه منذ ايام ضمن عملية مبادلة نشرت عنها الصحف .
اعتقلت السلطات الفلسطينية امينة في سبتمبر عام ١٩٧٥ م بعدما كشفت عمالتها وانها كانت ترسل معلومات وتقارير دقيقة وغاية في الاهمية عن العمليات الفدائية واسماء أفراد المخابرات الفلسطينية وتحركات واما٨كن القادة الفلسطينيين .
بعد اعترافها الكامل ظلت معتقلة لمدة خمس سنوات حتى مقايضتها باسيرين فلسطينيين لدى الاسرائيليين في١٣ فبراير عام ١٩٨٠ وتمت المبادلة في جزيرة قبرص وعادت امينة الى اسرائيل ، ثم عاشت في حيفا ، وحاولت الاتصال باهلها في الاردن ولكنهم رفضوا التحدث معها وأخبروها أنهم يعتبرونها في عداد الأموات .
تصدرت آني موشيه بيراد لوحة الشرف بمدخل بمبنى الموساد وهي لوحة تضم أسماء أمهر العملاء ، ويطلق عليهم الأصدقاء الذين أخلصوا لاسرائيل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى