المثلية .. بين التطبيع والترويج والتشريع. د.علي أحمد جديد

(( المثلية )) ..
بين التطبيع والترويج والتشريع..
د.علي أحمد جديد
تختلف المواقف بشأن قبول المثلية الجنسية باختلاف طبائع سكان البلد الذي يعيش فيه الناس .
وبحسب استطلاعات الرأي المتعددة التي أظهرت بأن الذين يعيشون في أوروبا الغربية وفي الأمريكتين هم الأكثر قبولاً للمثلية الجنسية على عكس أولئك الذين في أوروبا الشرقية أو في غرب آسيا وأفريقيا . وكما تتخصص بعض مراكز الاستطلاع الغربية بقياس درجة تقدم أوتخلف البيئات المجتمعية فإنها تقدم توصيات ومشاريع سياسات عامة حول الوسائل الأكثر تأثيراً في البيئات المجتمعية سعياً للوصول إلى نتائج تضمن اعتماد تشريعات وقوانين تشجع على ممارسة المثلية الجنسية تحت مظلة حقوق الإنسان وبعيداً عن المواقف الدينية والسياسية .
وإن إحصاءات( Pew Research Center )حول مواقف البلدان التي شملها استطلاع (تأييد او رفض السلوكيات المثلية) بين عامي 2002 و 2019 تشير إلى زيادة واضحة في قبول المثلية عند الجنسين . ويشمل ذلك زيادة قدرها 21 نقطة منذ عام 2002 في جنوب أفريقيا ، وزيادة قدرها 19 نقطة في كوريا الجنوبية خلال نفس تلك الفترة الزمنية . كما شهدت الهند زيادة بمقدار 22 نقطة منذ عام 2014 ، وهي المرة الأولى التي يتم فيها طرح السؤال على عيّنة مثلية على المستوى الوطني هناك . كما كان الحال في عام 2013 عندما تم طرح السؤال آخر مرة ، وتتشكل المواقف بشأن قبول المثلية الجنسية من خلال البلد الذي يعيش فيه الناس . كأولئك الذين في أوروبا الغربية والأمريكتين ، وهم عموما أكثر تقبلاً للمثلية الجنسية من تلك الموجودة في أوروبا الشرقية وروسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى . وكذلك تنقسم آراء الجمهور في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بشكل عام .
ورغم أن المثلية الجنسية ليست فقط للتنمية الاقتصادية للأمم ، ولكنها أيضاً عاملاً اساسياً في تبديل التشريعات الدينية والمواقف السياسية . وحتى مع هذه الانقسامات الحادة ، فإن العمل على تغيير وجهات النظر حول المثلية في العديد من البلدان التي شملها الاستطلاع منذ عام 2012 ، عندما بدأ (Pew Center) للأبحاث في طرح هذا السؤال لأول مرة في العديد من الدول ، وكان هناك قبول متزايد للمثلية الجنسية ، بما في ذلك في الولايات المتحدة، حيث يقول الاستطلاع بأن 72٪ يوافقون على وجوب قبولها ، مقارنة ب 49٪ فقط في عام 2007 .
وكانت هناك تحولات كبيرة إلى حد ما في قبول الشذوذ ككل على مدى السنوات ال 17 الماضية في مكانين مختلفين تماماً ( المكسيك واليابان ) في كلا البلدين ، وإن ما يزيد قليلًا عن النصف قد قبلوا المثلية الجنسية في عام 2012 ، ولكن الآن أقرب إلى سبعة من كل عشرة يقبلون بذلك .
وفي المقابل ، فإن إفريقيا تُعتبَر القارة الأكثر رفضاً للمثلية حتى الآن في كينيا ، إذ أن شخصاً واحداً فقط من بين كل مائة شخص يقول بأنه يجب قبول المثلية الجنسية في عام 2012 ، مقارنة ب 14٪ يقولون ذلك اليوم . وأن 7٪ فقط من الناس في نيجيريا يقولون الشيء نفسه ، وفي جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط وروسيا وأوكرانيا ، يقول قليلون إن المجتمع يجب أن يقبل المثلية الجنسية . وتكبر النسبة فقط في جنوب أفريقيا (54٪) وفي (الكيان الإسرائيلي) (47٪) ، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من الربع الذين يؤمنون بهذا الرأي . ومع ذلك ، فإن الأوروبيين من وسط وشرق أوروبا هم الأكثر انقساماً حول هذا الموضوع ، لأن 46٪ يوافقون على قبول المثلية الجنسية و 44٪ يقولون إنه لا ينبغي قبولها .
وفي الوقت نفسه ، لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تحافظ على أدنى معدلات القبول بين دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية والجنوبية التي شملها الاستطلاع .
بينما أن كل ستة من 10أمريكيين يعتبرون زواج المثليين مفيداً للمجتمع ككل !!..
وهناك في العديد من البلدان التي شملها نفس الاستطلاع ، توجد اختلافات حول القبول بالمثلية الجنسية وذلك بحسب العمر والتعليم والدخل ، وفي بعض الحالات ، الجنس . بالإضافة إلى ذلك ، فإن للدين أهميته في حياة الناس بتشكيل الآراء في العديد من البلدان . وعلى سبيل المثال ، فإنه في بعض البلدان ، يميل الذين ينتمون إلى مجموعات دينية ليكونوا أقل قبولا للمثلية الجنسية من أولئك الذين لا ينتمون إليها
والدين ، سواء من حيث صلته بالأهمية النسبية في حياة الناس أو الانتماء الديني الفعلي ، فإنه يلعب دوراً كبيراً في تصورات قبول المثلية الجنسية في العديد من المجتمعات في جميع أنحاء العالم . وفي 25 من أصل 34 دولة شملها الاستطلاع ، فإن أولئك الذين يقولون بأن الدين مهم “إلى حد ما” أو “ليس كذلك” أو “ليس له تأثير على الإطلاق” في حياتهم فإنه يجب قبول المثلية الجنسية ، أكثر من أولئك الذين يقولون إن الدين مهم “جدا”.
كما تلعب الأيديولوجية السياسية دورها في قبول المثلية الجنسية . في العديد من البلدان ، فيكون أولئك الذين ينتمون إلى اليمين السياسي أقل تقبلاً للمثلية الجنسية من أولئك الذين ينتمون إلى اليسار . كما أن أنصار العديد من الأحزاب الشعبوية اليمينية في أوروبا هم أكثر اعتراضاً على قبول المثلية الجنسية كنهج مشروع في الحياة . كما يربط الاستطلاع هذه المواقف بثروة البلد . وغالباً ماتكون الناس في الاقتصادات الأكثر ثراء والأكثر تقدماً هم أكثر ممارسة للمثلية الجنسية من أولئك الذين يعيشون في الاقتصادات الأقل ثراء والأقل تقدماً . وتحصل روسيا على درجات منخفضة على مقياس التدين ، مما يشير إلى مستويات أعلى من التسامح مع المثلية الجنسية . إلا أن 16٪ فقط من الروس يشجعون المثلية الجنسية ويدعون لإفشائها وترويجها في المجتمع . إذ أن
اليساريين هم الأكثر تقبلاً للشذوذ من الأحزاب اليمينية . كما أن
الدين والسياسة عاملان حاسمان في ذلك الأمر ، والواقع أن مسألة نشر تقبل أو تطبيع المثلية الجنسية حول العالم ليست مسألة للاستطلاع ، وإنما النتائج المتقدمة للاستطلاع جاءت نتيجة الجهود الأممية التي تمّ ويتم بذلها لجعل المجتمعات أكثر تقبلاً ضمن تقنياتها العاملة على التضليل ، خاصة أن المتقبلين للشذوذ هم ليسوا بأشخاص شاذين أصلاً ، إلا أن عمليات التضليل والقدرة على الإرغام ، وكذلك تشريع القوانين الملزمة للتقبل ، تجعل الإنسان عاجزاً عن مقاومتها ، ولا يمكنه الوقوف في وجه التيار الذي تحميه القوانين الوطنية والأممية ، إلا المجتمعات المتدينة التي لم يتم إفراغها من العمق الديني بعد ، كما أن السياسة هي فيصل إضافي لناحية سنّ القوانين وخاصة في ظل دخول صراع الحضارات الأخلاقية والحضارات غير الأخلاقية في العامل السياسي لم يحسم الأمر حتى اليوم .



