في ذكري التأسيس سارة عبد السلام تكتب : الحزب الشيوعي الصيني .. البناء السياسي والتنمية متلازمتان

 وكالة أنباء أسيا – مقالات 

سارة عبد السلام – مقرر برنامج الدراسات الصينية بمركز الحوار. 

احتفلت الصين في الأول من يوليو الجاري بالذكرى السنوية الثانية بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، الذي نجح في دفع الصين لتحقيق معدلات متزايدة من التنمية الاقتصادية وبناء دولة صينية قوية انتقلت إلى مصاف الدول المتنافسة على قيادة النظام العالمي الحالي. 

فقد استطاع الحزب الشيوعي الصيني البقاء والتطور على مدار ما يزيد عن مائة عام، بينما اختفت أحزاب تشابهت معه نشأت في دول مثل الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية وهو ما يمكن إدراكه بالنظر إلى نشأته وتطوره السياسي والأيديولوجي ، فمن رحم حركة “4 مايو” الطلابية التي تكونت لتحتج معاهدة فرساي، وُلد الحزب الشيوعي الصين، ومنذ ذلك الحين، نجح قادة الحزب في الدمج بين الفكر الماركسي ومقدرات الواقع الصيني، فاتخذوا من الفلاحين قاعدة رئيسة للحزب ، ما ولّد مرونة القاعدة الفكرية للحزب، الذي تأسس في بداية يوليو 1921.

 فمنذ ذلك التاريخ، انتقل الحزب من الثورة إلى الدولة، فشرع في تنفيذ أول خطة للتنمية، تقوم على خمسة مستويات هي: إصلاح الأراضي، الإصلاح الاجتماعي، الإصلاح الثقافي، والتخطيط الاقتصادي. كما انطلقت في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين التغييرات الجديدة للحزب والحكومة الصينية، بقيادة الزعيمين ماوتسي تونج وجو إن لاى، لتحقق الصين آنذاك إنجازات ملحوظة، على المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. واستكمل تلك المسيرة الزعيم دينج شياو بنج حيث اتخذ قرارًا تاريخيًا بتحويل مركز اهتمام الحزب والدولة إلى البناء الاقتصادي وتطبيق الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي، وتأسيس الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

وبدءًا من عام 1989، تولى جيانج زيمين أمانة الحزب الشيوعي الصيني ورئاسة الحكومة الصينية والذي أعلن تمسكه بالنظرية الأساسية والخط الأساسي للحزب، وصيانة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. ومع تولى الرئيس شى جين بينج أمانة الحزب الشيوعي ورئاسة الدولة، جاء التوجه نحو الاندماج بين التكنولوجيا والتصنيع، والتحديث الزراعي، لدفع عجلة التنمية الصينية. كما استمر الحزب الشيوعي الصيني في عهد الرئيس شي جين بينغ في تعزيز البناء السياسي ضمن اعتباراتها الأولية، حيث وضع الحفاظ على سلطة اللجنة المركزية للحزب والقيادة المركزية والموحدة في أوليات المهام للبناء السياسي له، لا سيما منذ المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، حيث رُفعت اللجنة المركزية للحزب إلى مستوى تاريخي جديد، فقد تبنى الحزب سلسلة من الترتيبات المؤسسية المهمة لضمان أن الحزب بأكمله يتماشى بوعي مع اللجنة المركزية للحزب، ويحقق الاستجابة الحازمة التي أيدتها اللجنة المركزية للحزب، والتنفيذ الحازم لقرارات اللجنة المركزية للحزب، وذلك من أجل تعزيز البناء السياسي للحزب وتحقيق إنجازات تاريخية متعددة.

ومن نافل القول إن الحزب الشيوعي الصيني خلال السنوات الماضية ومنذ تأسيسه ، قد نجح بشكل كبير في القيام بالوظائف الخمس الرئيسة للأحزاب السياسية وهي: التعبئة، ودعم الشرعية، والتجنيد السياسي، والتنمية، والاندماج القومي. فعلى مستوى التعبئة، نجح في حشد الدعم والتأييد لسياسات النظام السياسي الصيني من قبل المواطنين، وغرس القيم السياسية، فيما يعرف بعملية التثقيف السياسي. وعلى مستوى دعم الشرعية؛ نجح الحزب الشيوعي الصيني بشكل ملحوظ في توفير وزيادة دعم الشرعية للنظام السياسي الصيني، من خلال تطوير سياسات وأيديولوجية الحزب الشيوعي ذاته وكذا السياسات والخطط الحكومية على مدار ما يزيد عن مائة عام. فقد منحته مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية الشرعية والقبول لدى الغالبية العظمى من المواطنين الصينيين.

وعلى مستوى التجنيد السياسي؛ نجح في عملية تجنيد الكوادر والأعضاء الجدد به ومن ثم تصعيد المتميز منهم للمواقع التنفيذية. وفيما يتعلق بالوظيفة التنموية؛ نجح في عملية إنعاش الحياة السياسية والاقتصادية في المجتمع الصيني، الأمر الذي دعم عملية التطور السياسي والاقتصادي التنموي الصيني ككل.

وما يدلل بشكل كبير على المسيرة الناجحة للحزب، أضحى الحزب بنهاية عام 2022 يحتضن ما يربو على 98 مليون عضوًا، وفقًا لما أعلنته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في 30 يونيو الماضي. فقد ارتفع الرقم بنحو 1.33 مليون عضوًا، أو 1.4 بالمائة عما سُجّل في عام 2021. وهو ما يعني تطور الحزب الشيوعي الصيني من حزب ناشئ بعدد أقل من ٦٠ عضوًا إلى أكبر حزب في العالم يضم أكثر من 98 مليون عضوًا، وقد شهدت تشكيلة عضوية الحزب تحسنًا واضحًا مع ارتفاع مستويات التعليم والنمو المطرد في نسبة الأعضاء من النساء والأقليات القومية.

ملخص القول؛ استطاعت تجربة الحزب الشيوعي الصيني طوال الفترة الزمنية الماضية في تأسيس بنية اقتصادية وأيديولوجية قوية تمكنت من الصمود سنوات طويلة وحتى يومنا هذا، كما نجح الحزب في تشكيل ظهير سياسي للدول الصينية يخدم توجهاتها على المستويين الداخلي والخارجي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى