تهاني عدس تكتب حمامة سلام

حمامة سلام..
بقلم/ تهاني عدس
——————-
حمامة لونها أبيض ناصع مثل بياض الجليد فور سقوطه. حُب الخير و نبذ الشر سجية قد جُبِلَتْ عليها نفسها الذكية، تجاهد بأن تلتزم الحياء وسلامة الصدر ونقاء القلب وهي محاطة بذوي الطباع الدنية. تبدو متسخة بعد محاولات منهم لِجَرِّها للوحل، بعد أن اضطرت إلي خوض عدة معارك ضارية معهم حتى لا تسقط، أخيرًا استطاعت أن تنجو بصعوبة بالغة من تلك المعارك، لكنها مازالت مستهدفة لمحاولاتهم المستمرة لبترِ أجنحتها وإفقادها القدرة علي الطيران.
هي الآن تقف فى تلك النافذة الضيقة وحدها، تراقب المشهد فى صمت . لقد كلفها الأمر الكثير من التضحيات كي تصل إلي هذه النافذة من أجل حريتها. عانت وحدها في الظلام بعد أن قضت أجمل لحظات عمرها فى علاقات هشة أفقدتها الشعور بالأمان والإطمئنان. نفذت طاقتها فى محاولة إرضاء من لا يرضى إلا بهلاكها. هي ليست هاربة من الواقعِ بل رافضة له. نعم، هي ترفض واقعكم هذا.
انسلختْ عنه كمحاولة لحماية نفسها من الأذى،وصلتْ إلى هناك بعد أن اكتفتْ من المشاحناتِ والمشكلاتِ والمهاترات.
إنَّه واقعٌ بائسٌ مصابٌ بأمراضٍ مستعصيةٍ على الشفاءِ ودوائهِ لم يُكْتَشَفْ بعد. إنَّه واقعٌ عقيمٌ أنجبَ لنا هؤلاء الجُناةِ الُعصاةِ ممن أفسدوا علينا طيب العيش، الذين ولُدوا من رحمٍ مأجورٍ بمالٍ حرام، سُلِّطوا علينا بسبب ما اقترفناه من ذنوبٍ وخطايا. هي الآن ترنو إلى أفقٍ أكثر إتساعًا وإشراقاً، ترغب فى أن تطير بأجنحتها الممدودة إلي ملجأ أكثر أمانًا.
لكن كيف!؟ ..
الخَطرْ يحيق بنا من كل الإتجاهات. لم يعد لدينا مكاناً آمنًا بعد أن أضحتْ السماء في كل مكان مُلَبَدَة بغيوم الشر، تُمطر علينا حقدًا وغلًا. أصبحنا جميعا فى مهبِِ ريحٍٍ عاتية، تهبُ علينا من الاتجاهات الأربعة، من الشمال إلي الجنوب ومن الشرق إلي الغرب. إنها رياحٌ مدمرة ، معتقة و معبقة برائحة الموت. نداء إلي كل هؤلاء من هم مثل تلك الحمامة البيضاء، ممن يحملون بقلوبهم شيئًا من المحبة والخير والسلام، اثبتوا في أماكنكم!إلى أين أنتم ذاهبون و أجراس الخطر قد دُقت، و طبول الحرب قد قُرعتْ!؟
تخلوا عن السذاجة! ..
لا تنجرفوا خلف القطيع الضال، ذلك سوف ينتهي بنا وبكم في الهاوية!
اتحدوا وترابطوا فيما بينكم! لن تفيدكم العزلة والتشرذم!
ولن تجنوا من خلافاتكم التافهة إلا الخيبة والندم.
خيار الرفض والتمرد علي هذا الواقع هو رفاهية لا يملكها إلا الضعفاء البلداء.
إعلموا أن هذه ليست حرب سياسية ولا عقائدية فحسب، بل إنها حرب أشمل وأعم؛ هي حرب بين الخير والشر، حرب بين الحق والباطل، حرب بين المحبة والكراهية.
أناشدكم يا كل طيور السلام، انتشروا في جوانب الأرض و ربوعها!
لا تتركونا وحدنا فرائس سهلة المنال في أفواه الذئاب المفترسة. إن كانوا قد انتزعوا من أرواحنا شعور الراحة والسكينة والطمأنينة عنوة، انثروا أنتم الخير والمحبة والسلام فى نفوسنا و لو بالقوة.
تسلحوا بالإيمانِ والتقوى حتى تتمكنوا من نزعِ الأسلحة الفتاكة من أيدي قوى الشرِ الغاشمةِ الذين هُمْ في تطلعٍ دائمٍ لما نملكه من ثرواتٍ ونعمات. لقد استغلوا خلافاتنا و اختلافاتنا فيما بيننا و قاموا بإفتراسنا واحدًا تلو الآخر، جعلونا نقعد خلف الجدران القابلة للسقوط فوق رؤوسنا نستمع فى صمتٍ إلى صراخ الأضعف بيننا وهو يتألم من ويلاتِ التعذيب على أيديهم ثم ننتظر لنري من منا سيأتي عليه الدور فى التنكيل.
نحن حقًا لفي مأزقٍ عظيم!!!
لقد أعطيتم أهل الشر الفرصة ليقولوا كلمتهم، وقد حان الآن لا بأن تقولوا كلمتكم بل لتفرضوها على الجميع.
على مدى عقود، جعلوكم تشككون في قدراتكم وقواكم. لكني أخبركم بأنكم لستم ضعفاء كما تظنون بل أقوياء. فالخير أبقي من الشر، والمحبة أقوى من الكراهية، والحق أرفع من الباطل. أنتم الدواء الذي نبحث عنه لعلاجِ أسقام واقعنا الحالي ويمكنكم أن تنقذوا عالمنا من أدناه إلى أعلاه. أنتم الأمل الذي ترنو إليه أنفسنا، فلا تردونا خائبين!!






