الدكـــروري يكتب: الناس حال المصيبة على مراتب أربع

 

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أمر بالإجتماع ونهى عن الإفتراق، وأشهد أن لا إله إلا الله الحكيم العليم، الخلاق الرزاق، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رُفع إلى السماء ليلة المعراج حتى جاوز السبع الطباق، وهناك فرضت عليه الصلوات الخمس بالاتفاق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نشروا دينه في الآفاق، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم التلاق ثم أما بعد يقول العلماء بأن الناس حال المصيبة على مراتب أربع، فالمرتبة الأولى وهي التسخط، وهو على أنواع، فالنوع الأول أن يكون بالقلب، كأن يتسخط على ربه يغتاظ مما قدره الله عليه، فهذا حرام وقد يؤدي إلى الكفر، وأما عن النوع الثاني وهو أن يكون التسخط باللسان، كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وهذا حرام، وأما عن النوع الثالث وهو أن يكون التسخط بالجوارح. 

كلطم الخدود وشق الجيوب ونتف الشعور وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب، وأما عن المرتبة الثانية وهو الصبر، فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه، لكنه يحتمله، وهو يكره وقوعه، ولكن الصبر يحميه من السخط، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده، وهذا واجب، لأن الله تعالى أمر بالصبر فقال تعالي ” واصبرو إن الله مع الصابرين” وأما عن المرتبة الثالثة فهي الرضا، بأن يرضى الإنسان بالمصيبة، بحيث يكون وجودها وعدمها سواء، فلا يشق عليه وجودها ولا يتحمل لها حملا ثقيلا وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا، أما التي قبلها فالمصيبة صعبة عليه، لكن صبر عليها، وأما عن المرتبة الرابعة وهي الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة. 

حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، وربما لزيادة حسناته، حيث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم “ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها” وهذه اقسام الناس عند المصيبة، وهذه انواع الناس عند التسخط، فلا يرى ان القدر وقع الا لضر به، فما إحتسب شيئا لله، ولا فكر بالخير حالته ، لكنه سيقر في مقبل الايام ، وما من اجر عندها، وذكر علي بن الحسن رضي الله عنه ان رجلا قال للاحنف بن قيس ما اصبرك؟ فرد عليه قائلا الجزع شر الحالين يباعد المطلوب ويورث الحسرة ويبقي على صاحبه عارا، وفي الايام القادمة وحدها العوض عما فقدنا وليس فيما يغضب المولى، وكما قال الغزالي فما قيمة أن ينجذب المرء بافكاره ومشاعره الى حدث طواه الزمن ليزيد ألمه حرقة وقلبه لذعا، وبالفعل، فقد اسودت الايام عقب سواد ملبسهم عليهم، وما آلت نضرة.

ولا ينكر هذا عقل وهو يشاهده بنفذ الحقيقة المبصرة، وإن من احكام العزاء هو حكم التعزية، والتعزية مستحبة عند جميع الفقهاء سواء سبقت الدفن ام تلته، لانها من التعاون على البر والتقوى الذي جاء في كتاب الله تعالي ومما ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صرح النووي وغيره، ولا خلاف في إستحبابها كما أشار ابن قدامة، ولتعزية صاحب المصاب فضل منسي عند الكثير من الناس، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “من عزى اخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يحبر بها يوم القيامة، قيل وما يحبر؟ قال يغبط” وكذلك ثبتت أحاديث عن الحلة والبرد، أو الأجر المساوي لأجر المصاب، فاللهم إجعلنا ممن ألمت بهم المصائب وحلت بهم الكوارث والفواجع فثبتوا وصبروا وحمدوا ربهم وشكروا، فكانوا مضرب المثل في الرضا بمرّ القضاء، والصبر على ما كتب الله عليهم من عظيم البلاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى